في وقت أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، يقضي كثير من الشباب ساعات طويلة في تصفح المحتوى ومتابعة المؤثرين، حتى أصبحت الشاشات تستحوذ على جانب كبير من وقتهم واهتماماتهم. وبين سيل المقاطع القصيرة والإعجابات المتلاحقة، يبرز سؤال مهم: هل ما زال بإمكان الشباب اكتشاف شغفهم الحقيقي بعيدًا عن العالم الرقمي؟
ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي توفر محتوى ترفيهيًا وتعليميًا وتمنح فرصًا للتواصل، فإن استخدامها المفرط قد يحولها إلى عادة تستهلك الوقت والطاقة، وتدفع بعض الشباب إلى تبني اهتمامات لا تعبر عن ميولهم الحقيقية، بل تعكس ما يفرضه المحتوى المتداول.
ويؤكد مختصون في التربية والصحة النفسية أن المطلوب ليس التخلي عن هذه المنصات، وإنما استخدامها بوعي، مع منح التجارب الواقعية مساحة أكبر لاكتشاف الذات وبناء اهتمامات حقيقية.
عندما يصبح الشغف رهينة الشاشة
ساهمت سهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي في تعريف الشباب بمجالات وهوايات متنوعة، إلا أن المشكلة تكمن في الاكتفاء بالمشاهدة دون خوض التجربة على أرض الواقع.
كما أن التدفق المستمر للمحتوى يجعل الاهتمامات سريعة التغير، فينتقل البعض من فكرة إلى أخرى دون منح أنفسهم الوقت الكافي لتعلم مهارة أو تنمية موهبة، وهو ما قد يخلق شعورًا بالحيرة وفقدان الشغف.
ويرى خبراء أن وسائل التواصل قد تعزز أيضًا المقارنة المستمرة مع الآخرين، وتمنح شعورًا زائفًا بالإنجاز، ما يقلل من فرص اكتشاف القدرات الشخصية الحقيقية.

الغاية أم الشغف؟ أيهما يقود الآخر؟
وبحسب “سيدتي” تقدم Harvard Business Review رؤية مختلفة لمفهوم الشغف، إذ تميز بين “الشغف” و”الغاية”. فبينما قد يتغير الشغف مع مرور الوقت، تمثل الغاية البوصلة التي تمنح الإنسان شعورًا بالاستقرار والمعنى.
وتشير الرؤية إلى أن اكتشاف الغاية لا يعتمد فقط على سؤال “ما الذي أحبه؟”، بل يبدأ بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأعمق، منها:
- ما المهارات التي أجيدها بطبيعتي؟
- ما الاحتياج الذي أستطيع تلبيته أو القيمة التي يمكن أن أقدمها للآخرين؟
- ما الأنشطة التي تمنحني شعورًا حقيقيًا بالإنجاز والرضا؟
ويؤكد الخبراء أن بناء حياة مهنية أو شخصية قائمة على تقديم قيمة للآخرين يمنح الإنسان دافعًا أكثر استدامة من الاعتماد على الشغف وحده.
التجربة.. الطريق الحقيقي لاكتشاف الشغف
يشير مختصون في التنمية البشرية إلى أن الشغف لا يولد فجأة، بل يكتشف من خلال التجربة والممارسة. فقد يكتشف شخص موهبته في الرسم بعد أول دورة تدريبية، بينما يجد آخر نفسه في البرمجة أو التصوير أو العمل التطوعي، رغم أنه لم يكن يفكر في أي منها سابقًا.
لذلك ينصح الخبراء بعدم انتظار الإلهام، بل بخوض تجارب متنوعة، لأن الممارسة هي الوسيلة الحقيقية لمعرفة ما يستمتع به الإنسان وما يستطيع الإبداع فيه.
الرياضة.. بوابة لبناء الشخصية
لا تقتصر فوائد الرياضة على تحسين اللياقة البدنية، بل تمتد إلى دعم الصحة النفسية وتعزيز الانضباط والثقة بالنفس. كما تمنح الأنشطة الرياضية الشباب فرصة لتكوين صداقات جديدة، وتنمية روح التعاون والتحدي. سواء كانت رياضات جماعية أو فردية، مثل المشي، أو السباحة، أو ركوب الدراجات، أو اليوجا.
الفنون مساحة للإبداع والتعبير
تمثل الفنون أحد أهم المسارات التي تساعد الشباب على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية. فالرسم، والموسيقى، والكتابة، والتصوير، والمسرح، والحرف اليدوية، لا تقتصر على كونها هوايات. بل تسهم في تنمية الإبداع وتعزيز الثقة بالنفس. كما تشير دراسات إلى دورها في تقليل التوتر وتحسين الصحة النفسية.
القراءة توسع الآفاق
رغم تراجع معدلات القراءة لدى بعض الفئات، فإنها لا تزال من أهم الوسائل لاكتشاف الاهتمامات وبناء المعرفة. فقد يقود كتاب واحد إلى شغف جديد بالعلوم أو التاريخ أو الأدب أو ريادة الأعمال. كما تمنح القراءة فرصة للتأمل بعيدًا عن الإيقاع السريع الذي تفرضه منصات التواصل.
العمل التطوعي.. شغف يصنع المعنى
قد يجد بعض الشباب شغفهم الحقيقي في خدمة الآخرين، إذ يمنح العمل التطوعي شعورًا بالمسؤولية والانتماء. ويكسب المشاركين مهارات في القيادة والتواصل والعمل الجماعي. فضلًا عن مساعدتهم على اكتشاف قدراتهم وتحديد مساراتهم المهنية المستقبلية.
تعلم مهارة جديدة يفتح أبوابًا مختلفة
يؤكد المختصون أن تعلم مهارات جديدة، مثل اللغات الأجنبية، أو البرمجة، أو الطهي، أو التصوير، أو التصميم. قد يتحول مع مرور الوقت إلى شغف حقيقي أو حتى فرصة مهنية.
وينصح الخبراء بتخصيص وقت أسبوعي لتجربة مهارة جديدة، مع التركيز على الاستمرارية بدلًا من البحث عن نتائج سريعة.

لماذا يصعب على بعض الشباب اكتشاف شغفهم؟
تشير دراسات حديثة إلى أن الخوف من اتخاذ القرار الخاطئ يمثل عائقًا أكبر من غياب الشغف نفسه. ويرى الخبراء أن المسار المهني أو التعليمي ليس طريقًا مستقيمًا، بل سلسلة من التجارب التي تشكل هوية الإنسان مع مرور الوقت، لذلك فإن التركيز على التعلم واكتساب الخبرات أكثر أهمية من الانشغال المستمر بالبحث عن الشغف.
ويؤكد المختصون أن الشغف غالبًا ما يكون نتيجة للعمل والاجتهاد، وليس شرطًا يسبق البداية.
كيف يخفف الشباب من التشتت الرقمي؟
يمكن تحقيق توازن صحي مع وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مجموعة من الخطوات البسيطة، أبرزها:
- تحديد أوقات محددة لاستخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي.
- تخصيص وقت يومي لممارسة نشاط بعيد عن الهاتف.
- الانضمام إلى الأندية الرياضية أو الثقافية أو المجتمعية.
- قضاء وقت أطول مع الأسرة والأصدقاء في أنشطة واقعية.
- تجربة هواية جديدة بين الحين والآخر حتى يتم اكتشاف الاهتمام الحقيقي.
الشغف رحلة مستمرة
يجمع الخبراء على أن الشغف ليس هدفًا يكتشف في لحظة، ولا يقاس بعدد المتابعين أو المشاهدات، بل هو رحلة من التجارب والتعلم واكتشاف الذات.
وفي ظل هيمنة العالم الرقمي، تبقى الأنشطة الواقعية، وتنمية المهارات، والتواصل الإنساني، والعمل التطوعي، وممارسة الهوايات، من أهم الوسائل التي تساعد الشباب على بناء حياة أكثر توازنًا، واكتشاف شغف يمنحهم الإحساس بالإنجاز والمعنى، بعيدًا عن ضجيج الشاشات.









