زهور التوليب سحر الربيع الأبدي

يا زنبق يا غاوي بسياجه، ومفيي بوراقك عدراجه.. عالزهر الهني الليلكي، بيجي يتكي وبيطول الحكي”

تجسد كلمات فيروز بأدائها العذب ذاك الارتباط العاطفي العميق بين الإنسان والطبيعة، حيث تتجلى الأزهار رمزًا للجمال والسكينة. ويكشف هذا الغناء عن المكانة الوجدانية التي تحتلها الأزهار في القلوب، بما تحمله من دفءٍ وحنين، وكأنها مرايا تعكس مشاعر الإنسان وأشواقه الهادئة.

تعد البستنة وزراعة الأزهار أحد أحب طرق التعبير لدى الإنسان فهي تنطق عنه وتبوح بما يختلج مشاعره عبر أشكالها المختلفة وألوانها.

من بين هذه الزهور، الزنبق التي تحتل مكانة خاصة في قلب كل من يراها منذ القدم. وارتبطت بتاريخ طويل وعتيق يجمع بين الجمال والاقتصاد والنقاء. وهي إلى يومنا هذا الأكثر تداولًا سواء في ميادين الثقافة، الفن والمناسبات الاجتماعية.

ما هي نباتات الزنبق؟

الزنبق أو زهور التوليب Tulip هي نباتات معمرة تنتمي إلى فصيلة الزنبقية Liliaceae. تنمو من أبصال متعددة الطبقات Bulbs متحدة المركز. تتكاثر عن طريق البذور والبراعم. حيث تقوم البذور بعد حوالي 7 إلى 12 سنة بتشكيل بصلة مزهرة. وحين إزهارها تقوم باستهلاك البصيلة الأصلية، وتنمو في مكانها بصلة شبيهة للتي استهلكت مع عدة براعم أيضًا، لتتحول بعد ذلك إلى أبصال منفصلة.

كارولوس كلوزيوس، تاريخ النباتات النادرة (أنتويرب، 1601)،ص،141،زوج من زهور التوليب.

تستغرق فترة تفتح أزهار الزنبق حوالي أسبوع ويكون ذلك في شهري أبريل ومايو من كل عام. ويمكن للأبصال أن تستأصل من جذورها وتنقل عندما تموت الأوراق الخضراء، وذلك في الفترة من يونيو إلى سبتمبر، حيث تكون خاملة في هذا الوقت.

خصائص الزنبق

كما يمكن لنباتات الزنبق أن تنمو بارتفاع قصير أو طويل، ويتراوح طولها من 4 إلى 27 إنش تقريبا. بينما تمتلك قدرة احتمال الأجواء الشتوية الباردة والمثلجة.

تتكون عادة من اثنين إلى ست أوراق، لكن بعض الأنواع يبلغ عدد أوراقها 12 ورقة. وتعد من الصنف الجذعي الذي ينمو من مركز النبات لأعلى الساق. وهذه الأوراق تكون مرتبة بالتناوب وعلى هيئة أشرطة مكسوة بمادة شمعية أما ألوانها فهي تنحصر بين الأخضر الفاتح إلى المتوسط.

تنمو زهور الزنبق على ساق قصبي خال من الأوراق وتمتلك بشكل قياسي زهرة واحدة على كل جذع، غير أن بضعة أنواع منها لها بحدود أربع أزهار، وتكون على هيئة كؤوس ملونة ولها ثلاث أوراق تاجية وأخرى كأسية  يصعب التمييز بينها لأنها تقريبا متماثلة.

تأرجحت ألوان الزنبق بين ذلك أحادي اللون (الأحمر، أو الأصفر أو الأبيض) باسم كوليرين Couleren ، والزنبق متعدد الألوان Multicolor Rosen

هو الأحمر أو الوردي على خلفية بيضاء. وزنبق الفيوليتن Violetten ذو اللون الأرجواني أو الليلكي، وزنبق البيزاردن Bizarden ذو لون أحمر، بني أو أرجواني بخلفية صفراء، وهو يتمتع بإقبال أكثر.

تمتلك السداة الستة المتميزة (الجزء الذكري المسؤول عن إنتاج اللقاح) شعيرات أقصر من غلاف الزهرة، أما مياسم الزنبق أي الجزء الأعلى من الزهرة الذي يستقبل اللقاح وينقله إلى المبيض عبر القلم، فتكون ثلاثية الفص.

أصل نبات الزنبق

بالرغم من ارتباط الزنبق الوثيق بهولندا إلا أنها نشأت في الإمبراطورية الفارسية. ويرجع أصلها إلى إيران وأفغانستان وتركيا، ومواطن أخرى من آسيا الوسطى.

غير أنه لم يعرف من الذي نقل الزهرة إلى شمال غرب أوروبا. وظهرت زهرة الزنبق باللغة الإنجليزية tulipa أو tulipant، ودخلت باللغة الفرنسية tulipe  أو tulipan أو اللغة اللاتينية الحديثة  tulipa . وأطلق الأتراك العثمانيون على هذه الزهرة اسم tulbend.

ويعتقد أن “أوغير غسلين دي بوسبيك”، سفير الإمبراطور فيردناند الأول، المبعوث إلى سليمان حاكم الإمبراطورية  العثمانية عام 1554 ، كان أول منذكر الزنبق في أوروبا. حيث تحدث في رسالته عن زيارته للإمبراطورية قائلًا: “الزهور في كل مكان..النرجس والياقوتية، والزنبق التركي الذي أدهشنا كثيرا، لأن الوقت كان منتصف الشتاء، وهو فصل لا يعد مناسبا للزهور”. كما نسب له إدخال بعض الحيوانات والنباتات الجديدة إلى أوروبا من بينها زهرة التوليب من الأناضول في القرن السادس عشر أين كانت تزرع في حدائق السلاطين واعتبرت رمزا للجمال والرفعة.

الفلمنكي “كارولوس كلوسيوس”، عالم نبات من القرن السادس عشر، ساعد على إنشاء إحدى أولى الحدائق النباتية الرسمية الأوروبية في ليدن، وسميت “هورتاس أكاديميكاس”.

“كارولوس كلوسيوس” طبيب و عالم نبات فلمنكي
حديقة “هورتاس أكاديميكاس” بأمستردام – هولندا

هوس  التوليب Tulipmania

سجل كلوسيوس ملاحظاته عن ظاهرة “انكسار الزنبق” يتسبب فيروس يؤدي إلى نمو نوع مختلف من الزنبق المتوهج والمريش. بعد أن كانت تقتنى فقط من طرق النبلاء والأغنياء، أدت هذه الظاهرة النادرة إلى زيادة الطلب عليها وبداية الاستثمار المالي في تربية الزنبق أثناء العصر الذهبي الهولندي. وأطلق على هذا الاستثمار ب“جنون أو هوس الزنبقوتعد أول فقاعة اقتصاد في التاريخ.

كما توجد حالات موثقة ومسجلة على استبدال بصيلة نادرة ببيت كامل أو قطعة أرض. وأصبحت تجارة التوليب أشبه بسوق الأسهم يشترون ويبيعون عقودا مستقبلية لبصيلات لم تزرع بعد. انهار السوق والأسعار بعد ذلك بحلول عام 1673 بشكل حاد وخسر آلاف التجار والمستثمرين أموالهم.

التوليب اليوم

أصبحت هولندا رسميًا تعرف بمدينة التوليب، وهي الأشهر عالميا في زراعة وتصدير التوليب، وكل ربيع تقام مهرجانات سنوية مثل “مهرجان كوكنهوف”، حيث تعرض فيها ملايين الزهور الساحرة الجاذبة لآلاف السياح من حول العالم.

مهرجان التوليب في “حديقة كوكنهوف”- هولندا

كذلك هو الأمر في اسطنبول، حيث تزين مهرجانات بامتدادات من ألوان قوس قزح رسمتها زهور التوليب، حول 20 مليون زهرة تتوزع في عدة مشاتل من بينها متنزه أميرغان، تقبل عليه أعداد كبيرة من الأفراد والعائلات وطلبة المدارس.

مهرجان “متنزه أميرغان” في إسطنبول

تحمل أزهار الزنبق أو زهور التوليب، تاريخ متكامل الأحداث الذي يتناول الجمال والثقافة والاقتصاد فبداية من آسيا الوسطى وانطلاقا من باحات وحدائق القصور إلى الأسواق في أوروبا وعنصر رئيسي في المهرجانات. لتبقى شاهدة على قدرة عبق رائحة زهرة صغيرة يتنقل مع نسيم الربيع على لمس أفئدة الشعوب وتغيير مجرى التاريخ.

الرابط المختصر :