رحلة في مملكة البطاريق

تعود القصة إلى عام 2011؛ حيث وجد رجل مسن يدعى خوان بيريرا دي سوزا، عامل بناء متقاعد، بطريقًا ماجلانيًا وحيدًا في إحدى ثقوب صخرة من الصخور الساحلية في البرازيل، مغطى بالزيت، فاقدًا ريشه بالكامل ويوشك أن يلفظ أنفاسه. رحمة من الرجل تولى رعايته وتربيته وتوفير الأجواء المناسبة التي تساعده على التعافي. وبمرور الوقت تمت تسمية البطريق ب دين-ديم ، أطلق سراحه حين استعاد ريشه الطبيعي بعد 11 شهرًا. ليعود إلى بيئته البحرية ويشارك في موسم التكاثر.

وكانت المفاجأة لـ”بيريرا” عندما وجد البطريق “دين-ديم” عائدًا إلى البرازيل بعد مرور أشهر ليلتقي بمنقذه وراعيه متعرفا عليه وعلى شكله.

واستمر الحال بزيارته السنوية لصاحبه في الشاطئ البرازيلي ويغادر بعدها ليتناسل، قاطعًا بذلك أكثر من 3000 كيلومتر كل عام. وهذه القصة تدعونا لتسليط الضوء على طيور البطريق والتعرف عليها.

موطنها وتكيفها مع البيئة القاسية

إن البطاريق نوع من أنواع الطيور البحرية التي تعيش في البيئات الباردة خاصة في القطب الجنوبي للكرة الأرضية حول الشواطئ والجزر البعيدة في المنطقة المتجمدة الجنوبية. وأحيانا على الجبال الجليدية المتناثرة في البحار.

لكن رغم تلك الصورة النمطية التي يحملها الناس في أذهانهم عن الارتباط الوثيق بين البطاريق والمناطق الثلجية. إلا أن بعضا من سلالاتها تعيش في المناطق الدافئة مثل جزر غالاباغوس في جمهورية الإكوادور.

ويتميز البطريق بامتلاكه ريشًا كثيفًا عازلًا وطبقة سميكة من الدهون التي تعينه على الاحتفاظ بالحرارة وتقيه من البرد. وتختلف أطوال البطاريق فيما بينها باختلاف أنواعها لتتراوح بين 30 سم إلى أكثر من متر. أما الوزن فهو حسب الصنف من 1كغ إلى40كغ. كما تصل سرعته في الماء إلى 32 كيلومتر في الساعة.

وعلى عكس أغلب الطيور فالبطاريق لا تستطيع الطيران. إذ تحورت أجنحتها لتصبح أشبه بزعنفتين قويتين تمكنها من السباحة بسرعة ورشاقة. وهو الأمر الذي يساعدها على النجاة من الحيوانات المفترسة وعلى رأس القائمة الفقمة النمرية، الحيتان القاتلة ، أسماك القرش. وكذا التأقلم مع ظروف صيدها تحت الماء حيث تعد من أمهر الصيادين للحبار والأسماك والمخلوقات البحرية الصغيرة.

ومن صفات البطاريق أنها فضولية جدًا؛ فهي تختبر أي شيء غير مألوف لديها. وعلى الرغم من أنها ليست ذكية؛ فإنها مخلوقات مسلية وجذابة.

سلوك البطاريق وبناء العش

إن البطاريق من الكائنات الاجتماعية وتعيش في مستعمرات ضخمة تضم الآلاف. يبني البطريق عشه بطريقة بسيطة وبارعة. حيث يجمع الحصى الصغيرة بعناية ويكون بها دائرة مرتفعة قليلًا ليحمي البيض من المياه الباردة، وكل حصاة تعتبر كنزًا.  لذلك قد تحدث بعض السرقات الطريفة بين الجيران، ويحاولون التسلل وسرقة حصاة عش آخر عندما لا ينتبه صاحبه.

اجتماعيًا البطريق كائن ودود نسبيا، ولكل زوج نداء خاص به يتعرف عليه وسط الزحام. ورغم تحديات البرد والصقيع والرياح، تجد البطاريق وقتا للاستمتاع بالحياة سواء بالانزلاق على بطونها على الجليد، أو السباحة بخفة ومرح كأنها تعبر عن احتفال كل يوم بالنجاة من قسوة القطب.

التزاوج عند البطاريق

مع اقتراب موسم التزاوج يبدأ كل ذكر بطريق في البحث بتريث عن أنثى ضمن هذه المستعمرات عن طريق بعض عروض المغازلة التي يجذب بها الأنثى مثل الانحناء، رفع الرأس، وفتح ورفرفة الجناحين أو الزعانف وإطلاق أصوات نداء خاص مثل النقيق.

وتعد معظم البطاريق أحادية التزاوج موسميا لذلك غالبًا ما يعود لنفس شريكته كل عام ما يجسد جمال الوفاء الزوجي، وقد يستمر طول الحياة.

ومن ألطف وأغرب ما يميز هذه الطقوس أن الذكر يقوم بإهداء حصاة صغيرة مصقولة للأنثى؛ فإذا قبلتها تعد موافقة على الارتباط.

 

بعد التزاوج تضع الأم بيضة أو بيضتين ويتشارك الأبوان مسؤولية حضانتها. حيث يحتفظ بها الأب على قدميه ويغطيها بريشه الكثيف لحمايتها من البارد القارص. وتخرج الأم للبحث عن الطعام، كما يتبادلان الأدوار إلى أن تفقس. بذلك هي تقضي معظم وقتها في البحر للبحث عن الغذاء وتعود لليابسة أو الجليد للتكاثر وتربية الصغار. هذه الشراكة والتعاون تعكس ترابط وتضحية البطاريق من أجل استمرار نسلها.

البطاريق الصغار غالبًا ما تكون مكسوة بريش ناعم أشبه بالزغب لونه رمادي أو بني فاتح مع بقع بيضاء على الوجه؛ فبقدر ما أنه ما يجعلها لطيفة في عيون البشر إلا أنه ليس مقاومًا للماء لذلك لا تستطيع السباحة فتعتمد على والديها اعتمادًا كليا في الطعام والحماية وتبقى في العش أو بين أقدام الأم والأب لتوفير الدفء، عندما تنضج تفقد البطاريق ريشها الطفولي في عملية تدعى بالانسلاخ ويظهر بدلًا عنه ريش البلوغ المقاوم للماء بألوان واضحة ومحددة من أبيض وأسود ويجعل جسمها أكثر انسيابية، ليتغير بذلك نمط حياتها؛ إذ تصبح قادرة على الغوص، السباحة لمسافات طويلة والبحث عن الطعام بنفسها.

أنواع البطاريق

يعيش أكثر من 18 نوع من البطاريق ولكل صنف ما يميزه، من أبرزها:

البطريق الإمبراطور: هو ملك القارة القطبية الجنوبية والأطول قامة (120سم) ووزنه يصل 40كيلوغرام، كما يستطيع الغوص 500 مترا بحثا عن الطعام، أما بطريق أديلي فهو قصير القامة، لكن تغمره الطاقة و تستطيع تمييزه عن غيره من خلال عينيه البيضاويتين البارزتين.

بطريق همبولت: الذي يعيش في سواحل بيرو وتشيلي يفضل الطقس المعتدل أكثر من الثلوج.

إلى جانب بطريق فيوري (الجني) الصغير القزم الذي لا يتجاوز طوله 33سم يعرف بلونه الأزرق الجميل. وبعضها تتباهى بريش أصفر فوق الرأس؛ مثل بطريق ماكاروني الذي يبدو وكأنه مدعو لحفلة تنكرية دائمة.

أما بطريق جاكاس أو البطريق الإفريقي؛ فهو الذي يشاهد في حدائق الحيوان، لا يقطن القطبية الباردة ويوجد على شواطئ جنوب إفريقيا.

بالإضافة إلى بطريق جنتو ذو البقعة البيضاء الواضحة الممتدة فوق رأسه، بطريق غالاباغوس، بطريق ماجلان؛ هذا التنوع الغني يجعل من البطاريق كائنات لطيفة ومدهشة، فيما يخص تكيفها مع مختلف البيئات من الجليد القاسي إلى السواحل المعتدلة.

ويفسر هذا الاختلاف في الطول عبر قاعدة بيرجمان  Bergmanns rule في علم الأحياء التي تنص على أن حجم جسم الكائن الحي يزداد في البيئات الباردة ليقل فقدان الحرارة ويتقلص في البيئات الحارة ليتخلص من الحرارة بسرعة أكبر؛ ويشكل البطريق في هذا أفضل مثال. فالبطاريق الإمبراطورية في القطب الجنوبي أكبر بكثير من بطاريق جزر غالاباغوس التي تعيش قرب خط الاستواء.

و هكذا تعرفنا على فصيلة من فصائل الطيور التي تتمتع بسلوكيات وأخلاق قد لا نجدها عند كثير من البشر حاليا؛ فهل هناك أسمى من التلاحم الأسري والتعاطف والمودة والمحبة بين الزوجين؟ هل هناك أرقى من الأمانة ونبذ السرقة والخيانة؟ وهل هناك أجمل من التواصل على مر الزمن بين الأقارب والأصدقاء؟

الرابط المختصر :