دائمًا ما يبدأ موسم الدراسة الجديد حاملًا معه آمالًا كبيرة للطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديًا كبيرًا يتمثل في ظاهرة التنمر في المدارس. ويعرف التنمر بأنه سلوك عدواني ومتكرر يهدف إلى إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي بشخص آخر.
الآثار النفسية للتنمر
وفقٌا لـ “greatergood.”غالبًا ما يكون هناك اختلال في ميزان القوى بين المتنمر وضحاياه. التي لا تزال في تزايد على الرغم من وجود سياسات لمنعها. فالتنمر، الذي يأخذ أشكالًا متعددة من الترهيب الجسدي إلى الإقصاء الاجتماعي، لا يؤذي فقط الضحايا والمتنمرين. بل يمتد أثره السلبي ليشمل جميع الحاضرين. وفي دراسة مشتركة لمركز ييل للذكاء العاطفي. حيث استعرض عشرات الأبحاث حول جهود الوقاية من التنمر. وكانت نتائجه تنص على أن السياسات العقابية وحدها ليست كافية. بل قد تزيد الأمور سوءًا وتؤدي إلى استهداف غير متناسب للطلاب من ذوي الخلفيات العرقية المختلفة.

بناء مناخ مدرسي إيجابي
كما تظهر الأبحاث أن أفضل نهجين للحد من التنمر يكمنان في بناء مناخ مدرسي إيجابي وتعزيز التعلم الاجتماعي والعاطفي (SEL).
المناخ المدرسي، الذي يمكن وصفه بأنه “شخصية المدرسة وروحها”، يلعب دورًا حاسمًا في صحة الطلاب النفسية. ففي المدارس ذات المناخ الإيجابي، تقل معدلات التنمر والعدوان والشعور بعدم الأمان، بينما تزيد مستويات النمو الصحي.
ولتحقيق ذلك، يجب أن يتبنى قادة المدارس نظرة جادة للتنمر، لا كـ”طقس من طقوس الطفولة”، بل كإساءة خطيرة لها عواقب سلبية قد تدوم مدى الحياة. كما يجب على المعلمين أن يكونوا مستعدين للتعامل مع هذه المشكلة، وأن يمتلكوا أدوات فعالة لإدارة سلوكيات الطلاب بدلاً من تجاهلها. إصلاح المناخ المدرسي لا يقتصر على المعلمين والإدارة فحسب، بل يجب أن يشارك فيه الطلاب وأولياء الأمور أيضًا؛ لضمان معالجة المشكلات الخاصة بكل مجتمع مدرسي.
أهمية التعلم الاجتماعي والعاطفي (SEL)
وللتعلمي الاجتماعي والعاطفي دور هام في القضاء على مشكلة التنمر. حيث يعرف التعلم الاجتماعي والعاطفي (SEL) بأنه تعليم الطلاب مهارات الوعي الذاتي، وإدارة الذات، والوعي الاجتماعي، واتخاذ القرارات المسؤولة، وإدارة العلاقات. وقد أثبتت الدراسات أن مناهج SEL تحسن الصحة النفسية والتحصيل الدراسي، وتخفف من القلق والاكتئاب، وتقلل من السلوكيات العدوانية والتنمر.
وتظهر الأبحاث أن الكفاءة العاطفية والاجتماعية تحمي الطلاب من الوقوع كضحايا أو متنمرين. كما يستفيد المعلمون أيضًا من هذه البرامج. حيث يشعرون برضا وظيفي أكبر ويستخدمون إستراتيجيات أكثر إبداعًا وإيجابية في إدارة الفصول الدراسية.

مراحل التنمر المختلفة
يجب أن تكون برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي متكيفة مع المراحل العمرية المختلفة. ففي مرحلة الطفولة المبكرة، يمكن تعليم الأطفال لغة المشاعر لمساعدتهم على تنظيمها. أما في منتصف المرحلة الابتدائية، يجب أن يكون هناك وعي بالفرق بين التغيرات الطبيعية في الصداقات والتنمر الحقيقي الذي يتضمن عدوانًا متعمدًا.
وتعد مرحلة المراهقة فترة حرجة. حيث يبلغ فيها التنمر ذروته. لذا، يحتاج المراهقون إلى أساليب أقل تعليمًا وأكثر تركيزًا على تعزيز استقلاليتهم وقيمهم. كما يجب أن تراعي المناهج الفروق الفردية بين الأطفال، وأن توجههم لاكتشاف الإستراتيجيات الأنسب لهم. ولكي تكون هذه البرامج فعالة، يجب أن تدمج بشكل كامل في المناهج الدراسية وعلى مدار اليوم، وأن يتبناها جميع البالغين في البيئة المدرسية.

دور المجتمع ككل
في النهاية، لا يمكن للمدارس أن تواجه مشكلة التنمر بمفردها. فالعائلة تلعب دورًا كبيرًا. حيث يمكن أن تكون الممارسات الأبوية القاسية أو تنمر الأشقاء سببًا في سلوكيات التنمر في المدرسة. والأهم من ذلك، أن التنمر ليس مجرد مشكلة تخص الأطفال، بل هي مشكلة إنسانية شاملة، تتواجد في أماكن العمل وحتى بين الكبار.
لكي نقضي على التنمر، نحن بحاجة إلى تغيير جذري في نظرتنا لأهمية الأطفال ومشاعرهم. يجب علينا أن نوفر لهم الأدوات اللازمة لفهم مشاعرهم والتعبير عنها وتنظيمها. وعندما يتعاون الآباء والمعلمون والإداريون، يمكن للمدارس أن تكون الركيزة الأساسية لهذا التغيير. فالأطفال يعتمدون علينا.


















