عندما يُذكر مصطلح “الذكاء الاصطناعي“، غالباً ما تتبادر إلى الأذهان أدوات المحادثة الآلية والمساعدات الرقمية. لكن المرحلة القادمة تحمل تحولاً جذرياً قد يُعيد تشكيل الاقتصاد الرقمي في الشرق الأوسط والعالم.
الحديث الآن لا يدور حول الذكاء الاصطناعي كما نعرفه، بل عن “الذكاء الاصطناعي الخارق” (ASI)، والذي تشير تقديرات قادة التكنولوجيا العالميين إلى إمكانية ظهوره خلال أقل من خمس سنوات.
فما الذي يميز هذا النوع من الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يختلف عن الأدوات الحالية؟ وماذا يعني ذلك لدول تسعى لتكون في طليعة الابتكار مثل المملكة العربية السعودية؟
الذكاء الاصطناعي الحالي، كما يعرفه معظم الناس، يشمل أدوات مثل “شات جي بي تي” و”دال-إي” و”جيميني” — وهي أنظمة قادرة على كتابة النصوص، والبرمجة، وإنتاج الأعمال الفنية، لكنها تظل محدودة في مهام ضيقة وتُبنى على أنماط مستخلصة من بيانات سابقة.
أما الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، فهو الجيل التالي، المصمم ليُفكر ويتصرف مثل الإنسان عبر مختلف المهام. يمكنه التعلم من الصفر، وحل مشكلات جديدة بطرق مبتكرة، والتكيف مع البيئات المختلفة.
لكن الذكاء الاصطناعي الخارق (ASI) يتجاوز ذلك بكثير، إذ يُتوقع أن يتفوق على أذكى البشر في جميع المجالات، من العلوم والاقتصاد إلى الذكاء العاطفي، بل ويحقق إنجازات تفوق قدرة العقل البشري.
الأسس التكنولوجية لهذا التطور بدأت تتشكل بالفعل — حواسيب أسرع، أنظمة عصبية مُحسّنة، ونماذج منطقية تعتمد على وكلاء متعددين. وفي الشرق الأوسط، تبرز المملكة العربية السعودية كلاعب رئيسي في هذا السباق.
في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا، أطلقت السعودية مؤخرًا مبادرة “Humain”، بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، بهدف تطوير بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي، وبناء حلول سحابية محلية، وتطوير نموذج لغوي عربي متعدد الوسائط.
وتستند المبادرة إلى وعيٍ متزايد بأهمية مواءمة الذكاء الاصطناعي مع السياق الثقافي المحلي، وضمان السيادة على البيانات، والتحكم الكامل في الأنظمة. السعودية لم تعد تكتفي باستخدام التكنولوجيا — بل تسعى لصناعتها وتوجيهها.
ستعتمد مبادرة “Humain” على أكثر من 18,000 معالج رسوميات Blackwell من شركة Nvidia، بدعم بحثي وتمويلي من AMD ومايكروسوفت لتطوير بنى التدريب المعمّقة ومعالجات متخصصة. كما أعلنت أمازون ويب سيرفيسز عن استثمار بقيمة 5 مليارات دولار لإنشاء “منطقة ذكاء اصطناعي” في المملكة.
هذه الشراكات تتجاوز كونها مجرد صفقات تجارية — إنها تشكل اللبنات الأولى لقوة تقنية طويلة الأمد. وفي ظل اقتراب عصر الذكاء الاصطناعي الخارق، تزداد الحاجة إلى طاقة حوسبة ضخمة، وتنسيق حكومي متكامل، وتعاون دولي واسع النطاق. والسعودية تتحرك مبكرًا لتأخذ موقعها في طليعة هذا المستقبل.


















