إن لفريضة الصوم الجليلة إيجابيات كثيرة تعمل على تنمية الشعور الإنساني بالآخر من خلال التوحد الشعوري. الذي ألزمته فريضة الصوم كل من رضى بالإسلام دينا.
غاية الصوم الكبرى
الصوم درع واق للنفس البشرية من مغبة الركون إلى هواها، وهو حصنها المنيع والمخلص من عللها. والمطهر من أدرانها، والمكفر عنها ذنوبها، والشافي لها من سقمها الروحي.
هو فريضة وقائية للإنسان وعلاج ناجح للعادات والطبائع التي تورد صاحبها موارد التهلكة، فتتجلى به من السمات والخصائص. ما تحض القائم به على مكارم الأخلاق وتربي في الضمير البشري المثل القويمة التي تردع صاحبها إذا هم بتجاوزها ومال نحو اتباع الغي. والصوم يقوم في الإنسان أخبث ما فيه الذي ما إن ترك له العنان أهلكه ورمى به في وادي الشرك.
فضائل أحكام الصوم
الأداء الصحيح لفريضة الصوم تدريب واقعي على إيقاظ الضمير من خلال إيقاظ الشعور الحسي بالجوع والعطش والحرمان الذي يعانيه الآخر على مدار العام نتيجة الفقر وضيق ذات اليد.
فالتوحد الشعوري يخرج الإنسان من حالة الانكفاء على الذات والطواف حول موائد اللذات إلى فضاء استشعار ما يعانيه من حوله فقرًا وحرمانًا ليكون له دافعًا على البذل ومحركًا للعطاء وحاثًا على الإنفاق.
فهناك من يئن من الجوع أنين الموجوع في تخوم الأمصار جراء النكبات والكوارث، ومن هنا كان للصوم دعوته الإنسانية للشعور بالآخر. وكيف يقاسي طوال العام من ألم الحرمان. فيتمخض عن ذلك الشعور الإنساني بضرورة دعم التكافل الاجتماعي الذي يؤلف بين القلوب فيجعل المؤمنين إخوة متحابين.
تتمثل روعة الإسلام في إيجابيات عباداته التي تدعو إلى الرحمة في أسمى صورها. فلا نفور ولا غل ولا حقد ولا حسد خلال صيام شهر رمضان. لأن عبادة الصوم تسمو بالأرواح وترقق القلوب وتجعل للإنسانية في مثلها النصيب الظافر والحظ الوافر.
وتضرب في ذلك المثال المتجرد في العطاء والطاعة والبذل والتضحية. وإن مكارم الأخلاق التي بعث النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ليتممها لهي الأولى أن يحذو حذوها كل مؤمن حريص على التمسك بالقيم والفضيلة.
سمات الصوم العظيمة
يبدأ المؤمنون العابدون الصيام في ميقاته المعلوم، ليس هناك فرق ولا تفرقة، الكل فيه سواء. لتتجلى به أروع صور الوحدة والمساواة بين المسلمين في تقديم شعائرهم لله رب العالمين. ومن خلال الصوم تتجسد وحدة التوجه، ووحدة الهدف، ووحدة الامتثال والخضوع لله.
إن للعبادات في الإسلام طقوسًا ومشاهد واستعدادات قبل الدخول في إقامتها وأدائها، فالصلاة تستوجب الطهارة والوضوء. ثم الوقوف صفوفًا خلف الإمام في مشهد وحدوي جليل.
وكذلك الحج له من الاستعداد والتهيؤ كالنزول بالميقات والارتداء للإحرام والتنقل بين المشاعر المقدسة في زحف حجيجي. يباهي الله تعالى به ملائكته الكرام في الملأ الأعلى.
والزكاة لها مشهدها الداعي إلى إخراج حقوق العباد فيها. وذلك من خلال جردها كي يتسنى حساب المستحق فيها لإخراجه وصرفه في الأوجه التي أمر الله بها .
كلها مشاهد مواقف مرئية تراها الأعين وترقبها الجموع ويرى الناس بعضهم بعضًا أثناء إقامة هذه العبادات والشعائر. أما الصوم ليس له هيئة ولا مشهد معين يمكن أن يرى الناس الصائم من خلاله فهو عبادة وفريضة تقام في سرية تامة بين العبد وربه. ولذلك خصها الله تبارك وتعالى بقوله في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”.
الصيام جنة للنفس وتهذيب للشهوات
هذا مع أن العبادات كلها تقام لله، والله فقط هو الذي يجزي بها، ولكن خصوصية الصوم أنه لا يدخله رياء ولا مفاخرة ولا خيلاء أمام الخلق. من الممكن أن يرائي الإنسان بصلاته وزكاته وحجه، لكن سرية الصوم في خفية عن الأعين تجعله ينفرد بهذه الخاصية.
يتجلى في الشهر الفضيل نقاء الروح وصفاء النفس بقربها من الله بصيام نهارها وقيام ليلها وتلاوة القرآن وإخراج الصدقات. فيضيق الصيام على الشيطان مسالكه ويسدها عليه، فتصبح الروح في أنقى أجوائها وهي تحلق في جو إيماني مهيب. تعلو به الفكرة وتغسل درنها العبرة وتتخلل في وجدانها روائع القدرة.
ويصير الصوم جنة للعبد أي ستر ووقاية وحماية للصائم من النار في الآخرة فهو حصن يقي من الوقوع في المحرمات. ويعود النفس على ضبط الجوارح، فهو من أعظم أسباب النجاة من النار والفوز بالجنة ومرضاة الرب.
والأهم أن الصيام في حد ذاته وجاء للصائم، أي حماية ووقاية له من عدم الانضباط بآداب الشرع. وذلك من خلال كسر حدة الشهوة الجنسية لدى الشباب الذي لا يستطيع الزواج، فالصيام يهذب النفس. وهو ما يجعله وسيلة للعفة.


















