يشكل النمو السليم للأطفال مصدر سعادة لطالما ينشدها الوالدان، إلا أن ظهور بعض التغيرات المفاجئة في سلوكيات الطفل قد يبعث على القلق والارتباك. ومن بين أشد هذه التغيرات تأثيراً ما يعرف بـ «التوحد المكتسب» أو «التوحد التراجعي» (Acquired or Regressive Autism)؛ وهو حالة يصاب بها الطفل بتراجع ملحوظ في مهاراته التواصلية والسلوكية بعد أن كان ينعم بتطور نمائي طبيعي. وغالبًا ما تتجلى هذه الحالة حول عمر 18 شهرًا.
علامات التراجع وسمات السلوك
تتبدى علامات التوحد المكتسب في فقدان الطفل المهارات التي اكتسبها سابقًا، سواء بالتوقف عن النطق بالكلمات أو بفقدان القدرة على التواصل الاجتماعي. وتظهر سمات هذا التراجع عبر سلوكيات بارزة، منها: فقدان التواصل البصري، عدم الاستجابة عند المناداة باسمه، والانعزال التام. كما يشمل ذلك العجز عن التعبير عن المشاعر، تكرار العبارات تلقائيًا، والالتزام الصارم بروتين محدد، إلى جانب ممارسة حركات نمطية كرفرفة اليدين أو هز الجسم.
الأسباب والأنواع الفرعية
تتعدد الأسباب والأنواع التي يندرج تحتها التراجع النمائي لدى الأطفال، ومن أبرزها:
- الانحدار اللغوي: يبدأ عادةً بين عمر 15 و30 شهرًا دون سبب واضح، ويرجح ارتباطه بضغوط نفسية أو عارض صحي.
- اضطراب الطفولة التفككي: اضطراب نادر يصيب المهارات الحركية واللغوية بين عمر 3 و10 سنوات.
- متلازمة ريت: اضطراب جيني يصيب الإناث غالبًا بين 6 و18 شهرًا، مؤديًا لإعاقات حركية وذهنية شديدة.
- متلازمات الصرع والاعتلالات الدماغية: مثل متلازمتي “ويست” و”لينوكس-غاستو”، أو نتيجة التهابات مناعية وأيضية تؤثر على دوائر الدماغ، فضلًا عن الآثار المؤقتة لجراحات استئصال أورام المخيخ.

مسار التشخيص وطرق التدخل
يستوجب أي تراجع مفاجئ في القدرات النمائية للطفل زيارة الطبيب فورًا. يعتمد التشخيص على مراجعة التاريخ الطبي، الفحص البدني، وتقييم المهارات السلوكية، إضافة إلى إجراء فحوصات جينية وتصوير شامل للدماغ لمعرفة المسببات الدقيقة.
وعلى الرغم من عدم وجود علاج نهائي للتوحد، إلا أن التدخلات المبكرة تساهم بفاعلية في تطوير قدرات الطفل:
- تحليل السلوك التطبيقي (ABA): لتجزئة المهارات وبنائها تدريجيًا.
- علاج النطق والتخاطب: لتعزيز التواصل اللفظي وغير اللفظي.
- التدخل السمعي: للحد من الحساسية المفرطة للأصوات.
- العلاج الدوائي: كاستخدام الستيرويدات في بعض حالات الصرع والتهابات الدماغ، أو مضادات القلق والذهان للسيطرة على السلوكيات الحادة.

تظل المراقبة الواعية لنمو الطفل خط الدفاع الأول؛ للتدخل المبكر الذي يضمن تقديم الدعم المناسب ورعايته في الوقت المثالي.


















