قوس قزح.. كيف يحوّل المطر ضوء الشمس إلى لوحة من الألوان؟

بعد انقضاء المطر، وبينما تبدأ الشمس في الظهور من جديد، تظهر في السماء صورة بصرية تبدو وكأنها لوحة معلّقة بين الأرض والغيوم، قوس من الألوان يمتد في الأفق. نراه لثوانٍ أو دقائق، نحاول أحيانًا الوصول إلى نهايته، ثم يختفي كما ظهر، تاركًا وراءه سؤالًا بسيطًا، كيف يمكن لضوء أبيض وقطرات ماء شفافة أن يصنعا كل هذه الألوان؟

ما يقبع خلف هذا المنظر الجميل ظاهرة فيزيائية دقيقة، فكل قطرة مطر يمكن أن تصبح، في الظروف المناسبة، أشبه بموشور طبيعي يفكك ضوء الشمس إلى ألوانه المختلفة. وبين الانكسار والانعكاس والتشتت، تبدأ رحلة الضوء التي تنتهي، بالنسبة إلى أعيننا، بقوس قزح.

بدءًا بقطرة ماء

يبدو ضوء الشمس أبيض، لكنه في الحقيقة يتكون من مجموعة من الألوان ذات الأطوال الموجية المختلفة. وعندما يدخل هذا الضوء إلى قطرة ماء معلقة في الهواء، لا يواصل طريقه بالطريقة نفسها.

ينتقل الضوء من الهواء إلى الماء، فتتغير سرعته وينحني مساره. وتعرف هذه الظاهرة باسم الانكسار. لكن الألوان لا تنحني جميعها بالمقدار نفسه، لأن لكل منها طولًا موجيًا مختلفًا.

Ask BOM: how do rainbows form? - Social Media Blog - Bureau of Meteorology

ولهذا يبدأ الضوء الأبيض بالانفصال إلى ألوانه، في عملية تعرف باسم التشتت. فاللون الأحمر، صاحب الطول الموجي الأطول، ينحني بدرجة أقل، بينما ينحني اللون البنفسجي، صاحب الطول الموجي الأقصر، بدرجة أكبر.

رحلة الضوء داخل القطرة

لكن انكسار الضوء وحده لا يكفي لصنع قوس قزح، بعد دخوله قطرة الماء وتشتته إلى ألوان مختلفة، يصل جزء من الضوء إلى السطح الداخلي الخلفي للقطرة، حيث ينعكس ويغير اتجاهه.

بعد ذلك، يخرج الضوء من القطرة وينكسر مرة أخرى أثناء انتقاله من الماء إلى الهواء. وهنا تكتمل الرحلة الأساسية، انكسار عند الدخول، انعكاس داخل القطرة، ثم انكسار جديد عند الخروج.

تحدث هذه العملية في عدد هائل من قطرات الماء الموجودة في الهواء في الوقت نفسه. لكن عين الإنسان لا تستقبل الضوء إلا من قطرات تقع في زوايا محددة بالنسبة إلى موقعه وموقع الشمس، وهو ما يمنح قوس قزح شكله المميز.

لماذا نراه على شكل قوس؟

رغم اسمه، فإن قوس قزح ليس في الحقيقة قوسًا فقط، بل هو دائرة كاملة. لكن عندما نقف على سطح الأرض، يحجب الأفق الجزء السفلي من هذه الدائرة، فلا نرى سوى القسم العلوي منها، فيبدو لنا على شكل قوس.

أما من ارتفاع كبير، مثل الطائرة، فقد يكون من الممكن في بعض الظروف رؤية قوس قزح على هيئة دائرة كاملة.

والأمر الأكثر غرابة أن قوس قزح ليس جسمًا ثابتًا موجودًا في مكان محدد يمكن الوصول إليه. فهو ظاهرة بصرية تعتمد على موقع المشاهد.

لكي يظهر، يجب أن تكون الشمس خلف المشاهد، بينما تكون قطرات الماء أمامه. ولهذا السبب، إذا تحرك شخصان إلى موقعين مختلفين، فلن يريا تمامًا قوس قزح نفسه؛ إذ إن لكل منهما زاوية رؤية مختلفة ونقطة مقابلة للشمس خاصة به.

This may contain: a car driving on a road with a rainbow in the sky over it and trees

لماذا تظهر الألوان بهذا الترتيب؟

عندما يتشتت ضوء الشمس داخل قطرات الماء، تظهر الألوان وفق ترتيب محدد. يبدأ اللون الأحمر عادة في الجزء الخارجي من القوس، يليه البرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق، وصولًا إلى البنفسجي في الجزء الداخلي.

ويرتبط هذا الترتيب بالطريقة التي تتصرف بها الأطوال الموجية المختلفة أثناء الانكسار.

فالضوء الأحمر، الذي يبلغ طوله الموجي نحو 650 نانومترًا، ينحرف بدرجة أقل. بينما ينحرف الضوء البنفسجي، الذي يبلغ طوله الموجي نحو 400 نانومتر، بدرجة أكبر.

ومع ذلك، فإن ما نراه ليس دائمًا خطوطًا منفصلة تمامًا، إذ تتداخل الألوان تدريجيًا عند حدودها، لتبدو كأنها شريط متصل ينتقل بسلاسة من لون إلى آخر.

لماذا يجب أن تكون الشمس خلفنا؟

لكي نرى قوس قزح، لا بد أن يكون ترتيب العناصر مناسبًا، إذ تأتي الشمس خلف المشاهد، وقطرات الماء أمامه.

بعد أن يدخل ضوء الشمس قطرات الماء ويخضع للانكسار والانعكاس، يصل جزء منه إلى عين المشاهد بزوايا محددة. ويظهر القوس الأساسي عادة بزاوية تقارب 42 درجة بالنسبة إلى الاتجاه المقابل للشمس.

ولهذا قد يظهر قوس قزح بعد هطول المطر، أو بالقرب من الشلالات، أو وسط رذاذ البحر، أو حتى في الضباب، ما دامت هناك قطرات ماء معلقة في الهواء ومصدر ضوء مناسب خلف المشاهد.

عندما يظهر قوس ثانٍ في السماء

في بعض الأحيان، لا يقتصر المشهد على قوس واحد. فقد يظهر فوق القوس الأساسي قوس قزح ثانوي، لكنه يكون عادة أكثر خفوتًا واتساعًا.

السبب هو أن الضوء الذي يصنع القوس الأساسي ينعكس مرة واحدة داخل قطرة الماء، بينما يخضع الضوء المسؤول عن القوس الثانوي لانعكاسين داخليين.

وهذا الانعكاس الإضافي لا يجعل القوس أكثر خفوتًا فقط، بل يؤدي أيضًا إلى عكس ترتيب ألوانه؛ فيظهر الأحمر في الجهة الداخلية للقوس الثانوي والبنفسجي في الجهة الخارجية.

This may contain: two rainbows in the sky over an ocean

وهكذا، فإن القوس الثاني ليس مجرد نسخة باهتة من الأول، بل نتيجة لمسار مختلف يسلكه الضوء داخل قطرات الماء.

ليست كل أقواس قزح متشابهة

قوس قزح الذي نراه بعد المطر هو الأكثر شهرة، لكنه ليس الشكل الوحيد لهذه الظاهرة.

فقد يظهر قوس الضباب عندما يتفاعل الضوء مع قطرات الماء الصغيرة جدًا الموجودة في الضباب. ولأن هذه القطرات أصغر بكثير من قطرات المطر، تكون ألوان القوس باهتة للغاية، وقد يبدو أحيانًا أبيض تقريبًا.

This may contain: two rainbows in the sky over a body of water on a foggy day

وهناك أيضًا قوس القمر، الذي يتكون بالطريقة نفسها تقريبًا، لكن مصدر الضوء فيه هو ضوء الشمس المنعكس عن سطح القمر. ونظرًا إلى ضعف ضوء القمر مقارنة بضوء الشمس، تكون هذه الأقواس أقل سطوعًا وأصعب في الرؤية.

أما قوس قزح الأحمر فيظهر غالبًا عند الشروق أو الغروب، عندما يقطع ضوء الشمس مسافة أطول داخل الغلاف الجوي، فتتشتت الأطوال الموجية الأقصر بصورة أكبر، ويبقى اللون الأحمر أكثر وضوحًا.

وقد تظهر كذلك أنواع أكثر ندرة، مثل الأقواس الإضافية، وأقواس الانعكاس التي ترتبط بوجود المسطحات المائية والظروف الضوئية المناسبة.

من ظاهرة فيزيائية إلى رمز إنساني

قبل أن يفهم الإنسان قوانين الانكسار والانعكاس، كان ظهور قوس قزح يثير الخيال والأسئلة. ولهذا احتل مكانة خاصة في أساطير وثقافات مختلفة حول العالم.

في بعض المعتقدات القديمة، اعتُبر جسرًا يربط بين الأرض وعوالم أخرى. وفي الأساطير الإسكندنافية، ظهر بيفروست Bifröst بوصفه جسرًا يصل عالم البشر بعالم الآلهة. أما في الأسطورة الأيرلندية الشهيرة، فقد ارتبط قوس قزح بوعاء من الذهب يقال إنه يوجد عند نهايته.

This may contain: a group of people standing on top of a mountain under a rainbow
في الأساطير الإسكندنافية، يعد بيفروست (Bifröst) جسر قوس قزح مشتعل وساحر يربط بين عالم البشر (ميدغارد) وعالم الآلهة (أسغارد).

This may contain: an image of children playing on a bridge with a rainbow in the sky above them

This may contain: a woman riding on the back of a horse drawn carriage next to a dog and rainbow

وربما تكمن المفارقة في أن الإنسان لا يستطيع في الواقع الوصول إلى «نهاية» قوس قزح. فهو ليس جسمًا ثابتًا، وكلما تحرك المشاهد تغيرت زاوية رؤيته وتغير معه القوس الذي يراه.

جمال لا يمكن الإمساك به

قوس قزح موجود أمام أعيننا، لكنه ليس موجودًا في مكان محدد. نراه بوضوح، لكننا لا نستطيع الاقتراب منه أو لمسه.

إنه نتيجة لقاء دقيق بين الضوء والماء وموقع المشاهد. ملايين القطرات تعمل في الوقت نفسه، وكل واحدة منها تعيد توجيه جزء من ضوء الشمس، حتى يتشكل أمامنا ذلك القوس الملون.

وربما لهذا، بعد أن نفهم تمامًا كيف يتكون قوس قزح، لا يفقد شيئًا من سحره. فالعلم يشرح لنا كيف تفصل قطرة ماء ضوء الشمس إلى ألوانه، لكنه لا يمنعنا من التوقف للحظة كلما ظهر في السماء، لمشاهدة الضوء وهو يتحول، أمام أعيننا، إلى شيء يشبه المعجزة.

الرابط المختصر :