البطاقات الصفراء والحمراء.. ابتكار وُلد من أكثر مباريات المونديال عنفًا

تشكّل البطاقات الصفراء والحمراء هاجسًا للاعبين في مباريات كرة القدم. وبينما يوجّهها الحكّام للاعبين المخالفين بهدف فرض النظام على اللعبة. باتت تستخدم بين عامّة الناس كاستعارات عند الكلام عن الطرد والإنذار
أول إنذار أصفر من نصيب لاعب سوفييتي في المباراة الافتتاحية. البطاقة الصفراء تعني تحذير، والحمراء تعني الطرد الفوري. وإذا حصل اللاعب على بطاقتين صفراوين في نفس المباراة يتحول تلقائياً إلى بطاقة حمراء ويخرج من الملعب.
تم تطبيق فكرة البطاقات الصفراء والحمراء بشكل تجريبي لأول مرة في أولمبياد المكسيك عام 1968. وبعدها اعتمدها الاتحاد الدولي لكرة القدم رسمياً في 1969، وبدأ استخدامها فعلياً في كأس العالم 1970.

متى نشأت فكرة هذه البطاقات؟ وما الأسباب التي كانت وراء تبلورها؟

قبل 35 عامًا، ابتكر البريطاني الراحل كينيث جورج أستون هذه الفكرة، وهو الذي قدّم مساهمات لا تقدّر بثمن في كرة القدم وفن التحكيم على وجه الخصوص.

This may contain: a man in black jacket standing on top of a green field holding up two fingers
كينيث جورج أستون 1915 -2001 مدرس للغة الإنجليزية وجندي وحكم كرة قدم

وكانت الرياضة جزءً مهمًا من المناهج الدراسية في بريطانيا، وكان الأساتذة غالبًا ما يتولون دور الحكم في المباريات، ومن بينهم أستون الذي كان قد بلغ العشرين من عمره عندما طُلب منه تولي التحكيم في مباراة كرة قدم في إسيكس عام 1935.

ويبدو أن أستون استمتع بهذه المهمة، ليتأهل ليكون حكمًا رسميًا عام 1936، نظرًا لكفاءته العالية في إدارة المباريات. حتى إن صحيفة “ذا تايمز” البريطانية، في نعيها له قالت إنه “بحلول الستينيات من القرن الماضي، شقّ أستون طريقه في سلم الحكام في كرة القدم، وكان بلا شك أحد كبار المسؤولين في هذا المنصب بالبلاد. ونادرًا ما يطرح أي جدل على عمله وقراراته”.

This may contain: an old black and white photo of a referee giving instructions to his players on the field

معركة سانتياغو

لكن هذا المسار تغيّر بشكل كبير في كأس العالم 1962 في تشيلي، حين اختير أستون لإدارة المباراة الافتتاحية بين تشيلي المضيفة، وسويسرا والتي انتهت بنتيجة 3-1 لصالح تشيلي.

ونظرًا لنجاح أستون في مهمته، قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تسمية أستون ليكون الحكم الأصلي للمباراة النهائية بين تشيلي وإيطاليا في نهائيات كأس العالم عام 1962، بعد أن وجدته شخصية من ذوي الخبرة والموثوقية.

إلا أن أستون لم يكن مسرورًا بقرار “فيفا”، نظرًا لأن الاستعدادات للمباراة كانت تدل على أن المباراة لن تكون عادية.

آنذاك، زعمت الصحف التشيلية أن الصحافيين الإيطاليين كتبوا مقالات تشكّك بأخلاق المرأة التشيلية وجمالها. الأمر الذي جعل المباراة عرضة للشحن العاطفي، لناحية الشرف، بحيث باتت كرة القدم قضية ثانوية في ما سمّي لاحقًا بـ”معركة سانتياغو” سيئة السمعة.

حكاية مونديال 1962.. الصحافة تشعل "معركة سانتياغو" بين إيطاليا وتشيلي

وفي تعليق خلال السنوات اللاحقة على هذه المباراة، قال أستون: “لم تكن مباراة كرة قدم، إذ كنت أقوم بدور الحكم في مناورات عسكرية”.

وأكدت طبيعة المباراة في سانتياغو مخاوف الجميع، حيث اضطرت الشرطة المسلحة دخول الملعب ثلاث مرات لمساعدة الحكم على استعادة النظام. وطرد أستون لاعبين إيطاليين، واضطر إلى تفريق عدد من المشاجرات والمعارك على أرض الملعب.

وفي النهاية، فازت الدولة المضيفة بنتيجة 2-0. في عام 1963، أدار أستون نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي، وتقاعد بعد ذلك من التحكيم.

لحظات حاسمة مرة أخرى

بعد ثلاث سنوات على تقاعده، دعت “فيفا” أستون للانضمام إلى لجنة الحكام التي ترأسها من 1970 إلى 1972.

ومرة أخرى، وجد نفسه في واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم. فخلال عام 1966، التقت إنكلترا، الدولة المضيفة للمونديال، بالأرجنتين في ربع النهائي في ويمبلي؛ وكان على أستون، الذي كان مسؤولًا عن التحكيم في البطولة، أن يستخدم قدراته في تهدئة كابتن منتخب الأرجنتين أنطونيو راتين بعد طرده، والمحافظة على استمرار المباراة.

اكتسبت اللعبة المثيرة للجدل أهمية أكبر عندما زعمت تقارير صحفية عن المباريات أن الحكم رودولف كريليتين قد حجز كلا من اللاعبين البريطانيين الشقيقين بوبي وجاك تشارلتون. ولم يشر الحكم إلى ذلك علنًا، بينما طلب مدرب إنكلترا ألف رامزي من “فيفا” توضيح الأمر.

This may contain: an old black and white photo of men in uniform holding a basketball while others look on

أول بطولة ببطاقات

بعد المباراة، بدأ أستون يفكّر في طرق لتجنّب مثل هذه المشكلات في المستقبل.

وقال: “بينما كنت أقود سيارتي في شارع كينغستون، تحوّلت إشارة المرور عند أحد التقاطعات إلى اللون الأحمر. وخطرت ببالي فكرة، الأصفر: خذ الأمور ببساطة، والأحمر: توقّف”.

وركّز أستون على اللونين الأصفر والأحمر، معتبرًا أنه “إذا استخدم هذين اللونين في ملعب كرة القدم، فسوف تتغلّب هذه البطاقات على أي حواجز لغوية، وستشير البطاقة للاعبين إلى التحذير أو الطرد”.

This may contain: referee showing yellow card to man on soccer field

وبالفعل، ظهرت البطاقات الصفراء والحمراء في كأس العالم عام 1970 في المكسيك؛ ومنذ ذلك الحين أصبحت جزءً لا يتجزأ من اللعبة. إلا أنه قبل ذلك كان يحصل الطرد والإنذار بطريقة شفهية.

وكان بلاسيدو جاليندو من البيرو، أول لاعب يُطرد شفهيًا في بطولة عام 1930 بين البيرو ورومانيا. إلا أن كارلوس كاسيلي من منتخب التشيلي، كان أول لاعب يُمنح بطاقة حمراء، بعد ابتكارها، وذلك خلال مباراة بلاده ضد ألمانيا الغربية في بطولة كأس العالم 1974.

في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2001، توفي أستون عن عمر يناهز 86 عامًا. ولكن “باختراعه”، تأكد من تحديد اللاعبين المنتهكين للقواعد ومعاقبتهم أمام الجميع.

الرابط المختصر :