لطالما رسمت صورة الرجل في المخيال الجمعي العربي كـ “معيل” يقف عند حدود عتبة البيت. تاركًا تفاصيل التربية والرعاية لمملكة الزوجة.
غير أن تحولات العصر، وتقلبات القدر من وفاة أو طلاق أو هجرة عمل أنشأت نموذجًا جديدًا كسر القيود التقليدية: إنه “الأب الحاضن”؛ ذلك الرجل الذي وجد نفسه فجأة في مواجهة مباشرة مع تفاصيل الحياة اليومية لأبنائه، ليقوم بدور لم يهيأ له ثقافيًا ولا اجتماعيًا.
ظاهرة فرضتها المتغيرات
منذ تسعينيات القرن الماضي، رصدت الأبحاث الاجتماعية ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الأسر التي يشكل فيها الأب المحور الرئيسي للرعاية.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة حتمية لتغير الظروف المعيشية؛ فبين تحرر المرأة وقدرتها على العمل والهجرة بعيدًا لتأمين لقمة العيش، وبين اتساع فجوة الانفصال والطلاق، أُلقيت مسؤولية “طاقة الأنوثة” كما يصفها المجتمع على عاتق الأب.

الاستنزاف النفسي.. جهاد خلف الأبواب المغلقة
لا تقتصر تحديات الأب الحاضن على الطبخ والتنظيف، بل تمتد إلى عمق الجانب النفسي. هو المطالب يوميًا بالإجابة عن الأسئلة الحارقة: “أين أمي؟ ولماذا نحن مختلفون؟”. هو الذي يمسح دموع المراهقين ويحتوي نوبات غضب الصغار، في حين لا يملك هو نفسه حق البحث عن “طرف يحتويه” أو حتى استشارة خبير نفسي. خوفًا من الوصم الاجتماعي الذي يلاحق “الرجل الضعيف”.

ضريبة الوفاء.. طموح مؤجل وحرية مقيدة
يرفض الكثير من هؤلاء الآباء إقحام “زوجة أب” في حياة أبنائهم، أو تسليم الحضانة للأقارب، رغبةً منهم في الحفاظ على استقرار نفسي هش بعد صدمة غياب الأم.
لكن هذا الوفاء له ثمن باهظ؛ يدفع من طموح الأب المهني. ومن حريته الشخصية، وحتى من توازنه العاطفي.
ورغم التضحيات الجسام، يعيش بعضهم صراعًا داخليًا وشعورًا بالتقصير، نابعًا من حقيقة أن دورهم في التربية ظل “هامشيًا” في وجود الأم سابقًا، ما يجعل المهمة اليوم شاقة ومضاعفة.
إن ظاهرة الأب الحاضن هي دعوة لإعادة النظر في مفاهيم “الرجولة” و”التربية” في مجتمعاتنا. فالأبوة ليست مجرد توفير للمال. بل هي قدرة على الاحتواء والرعاية. هؤلاء الآباء لا يعوضون غياب الأم فحسب، بل يبنون نموذجًا جديدًا للأسرة العربية. قوامها التضحية والشراكة الحقيقية، بعيدًا عن قوالب المجتمع الجاهزة.


















