في العصر الرقمي الذي نعيشه، لم تعد الجدران العازلة توفر الحماية الكاملة؛ فقد اقتحم العالم الافتراضي خصوصية المنازل. وحول الشاشات الصغيرة إلى أدوات قد تستخدم للتمكين أو للبطش. وبينما تفتح التكنولوجيا آفاقًا رحبة للمرأة. برزت في الظل ظاهرة “العنف الرقمي” كواحدة من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، حيث يتم استغلال المنصات للتحرش والابتزاز، مما يضعنا أمام سؤال ملح: هل من عقاب يردع هؤلاء الجناة المتخفين خلف لوحات المفاتيح؟
وجوه العنف في الفضاء الافتراضي
لا يبدأ العنف الرقمي وينتهي عند رسالة مسيئة؛ بل هو طيف واسع من السلوكيات الإجرامية التي تبدأ بالملاحقة الإلكترونية (Cyberstalking)، وتمر عبر سرقة الهوية وانتهاك الخصوصية، وصولاً إلى ذروة الخطر المتمثلة في “الابتزاز الجنسي” أو استخدام تقنيات “التزييف العميق” لتشويه السمعة. إن هذه الجرائم ليست “افتراضية” في أثرها؛ فهي تسبب ندوبًا نفسية واجتماعية عميقة، وقد تؤدي في حالات قصوى إلى تدمير حياة الضحية بالكامل.

هل من عقاب؟ الردع القانوني في المواجهة
الإجابة القاطعة هي نعم؛ فقد أدركت التشريعات العربية والدولية أن الجريمة الإلكترونية لا تقل خطورة عن الجريمة الواقعية. وتعد التجربة المصرية نموذجًا بارزًا في هذا الصدد من خلال ترسانة قانونية رادعة:
- السجن والغرامة: نص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018) على عقوبات مغلظة تبدأ من الحبس لمدد تصل إلى سنوات وغرامات مالية ضخمة لكل من اعتدى على المبادئ أو القيم الأسرية. أو انتهك حرمة الحياة الخاصة.
- تغليظ عقوبة التحرش: جاءت التعديلات التشريعية لعام 2021 لتنقل التحرش (بما فيه الإلكتروني) من فئة “الجنحة” إلى “الجناية” في حالات معينة، خاصة إذا كان الجاني يمتلك سلطة وظيفية أو أسرية على الضحية. أو إذا تكرر الفعل.
- مواجهة الابتزاز: يعاقب القانون بالحبس والوجوب بالتعويض لكل من استخدم التكنولوجيا لتهديد أو ابتزاز شخص آخر لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، وتصل العقوبات إلى السجن المشدد إذا اقترن التهديد بطلب مادي أو جنسي.
- المنصات الرقمية: من التواطؤ إلى الحماية
لم يعد مسموحًا لشركات التواصل الاجتماعي بالوقوف في دور المتفرج؛ إذ تفرض القوانين الحديثة ضغوطاً على هذه المنصات لتوفير آليات فورية للإبلاغ (Reporting) وحذف المحتوى المسيء. إن التطور التقني سمح اليوم بتتبع “البصمة الرقمية” للجناة، مما يعني أن التخفي خلف حسابات وهمية لم يعد يضمن الإفلات من العقاب كما كان في السابق.

الحماية تبدأ بالوعي
إلى جانب العقاب القانوني، يبقى الوعي هو حائط الصد الأول. إن تمكين النساء تقنياً لمعرفة أدوات الحماية (مثل المصادقة الثنائية وتشفير البيانات) وحثهن على عدم الصمت تجاه الابتزاز هو جزء أصيل من المعركة. القانون موجود، والجهات الأمنية (مباحث الإنترنت) تمتلك الأدوات، لكن البداية تكون دائماً بكسر حاجز الخوف والإبلاغ.
إن العنف الرقمي ضد النساء ليس قدرًا محتومًا يفرضه التطور، بل هو انحراف سلوكي يجب تقويمه بالقانون والأخلاق. الجناة خلف الشاشات ليسوا أشباحًا لا يمكن طالهم، بل هم مجرمون يتركون خلفهم آثارًا تقودهم حتماً إلى قفص الاتهام. إن بناء مجتمع رقمي آمن يتطلب أن نؤمن جميعًا بأن كرامة المرأة على الإنترنت هي امتداد لكرامتها في الواقع، وأن يد العدالة طويلة بما يكفي لتصل إلى كل من تسول له نفسه استغلال “الصفر والواحد” للهدم لا للبناء.

















