تمتلك الأغنية الخليجية رموزًا حفرت أسماءها بمداد من التميز والأصالة، وفي طليعة هؤلاء المبدعين يبرز الفنان السعودي القدير عبادي الجوهر؛ الموسيقار والمطرب وعازف العود الفذ الذي لقبه الراحل طلال مداح بـ “أخطبوط العود”.
صاغ الجوهر عبر مسيرته الفنية الممتدة لعقود هوية بصرية وموسيقية خاصة. جعلت منه واحدًا من أهم ركائز الموسيقى في الجزيرة العربية. وفي رصيده الفني الضخم نحو خمسين ألبومًا غنائيًا، فضلًا عن عشرات الألحان التي صاغها لعمالقة الفن العربي.
النشأة والبدايات.. من حلم الجندية إلى عالم الأوتار
ولد عبد الله محمد جوهر في مدينة جدة في 24 أبريل 1953. عانى مرارة اليتم مبكرًا بوفاة والده. لتتولى والدته تربيته مع شقيقه الأكبر عبد الرحمن. شغف عبادي بالموسيقى تفتق في سن الثانية عشرة. حيث كان يقضي نحو سبع ساعات يوميًا في مداعبة أوتار العود وتطويع نغماته.
ورغم أن طموحه في الصبا كان يتجه نحو الانخراط في السلك العسكري، فإن لقاءً حاسمًا غير مجرى حياته؛ إذ عرفه المنتج والممثل لطفي زيني على صوت الأرض الفنان طلال مداح، والذي ذهل بموهبة الفتى الصغير قائلًا: «أول مرة قابلت فيها عبادي كان عمره أربعة عشر عامًا، وكان يعزف كمحترف لديه خبرة عشرين سنة».
أقنعه طلال بالعدول عن الفكرة العسكرية وتبناه فنيًا بضمه إلى شركة “رياض فون” عام 1968، لتبدأ من هناك رحلة فنية استثنائية استهلت بأغنية “يا غزال” وأغنية “يا حلاوة” التي وضع عبادي مقدمتها الموسيقية بنفسه.

المحطات الفنية والإنجازات الموسيقية
في عام 1971، انطلق عبادي الجوهر في عالم التلحين الذاتي مسجلًا أغنية “كأنك حبيبي” من كلمات مهندس الكلمة الأمير بدر بن عبد المحسن. ليشكل هذا الثنائي لاحقًا واحدًا من أنجح الثنائيات الفنية في تاريخ الأغنية السعودية؛ حيث لحن عبادي لطلال مداح عام 1978 أغنية “طويلة يا دروب العاشقين” من كلمات الأمير بدر أيضًا.
توالت نجاحات الموسيقار الشاب، وشارك في محافل إقليمية ودولية بارزة مثل حفل دورة الخليج الرابعة في قطر عام 1976. ولم يكتفِ بالغناء المحلي. بل حلق بموسيقاه عالميًا عندما قدم معزوفة “المالاغوينا” الإسبانية الشهيرة دمجًا مع التقاسيم الشرقية في حفلة باريس التاريخية عام 1994.
وامتدت إبداعاته اللحنية لتغذي حناجر كبار مطربي العالم العربي مثل نجاة الصغيرة، سميرة سعيد، وأصالة نصري.
ورغبة منه في توثيق الفن وتطويره، أسس في عام 1984 شركته الخاصة “أوتار للإنتاج الفني” لتكون مظلة لأعماله الخالدة مثل ألبومات: “بيان الشوق”. “الجرح أرحم”، “زمان أول”، و”خلاص ارجع”.

المحن الإنسانية وبناء “الجرح أرحم“
اتسمت حياة عبادي الجوهر الشخصية بلمحات من الشجن الإنساني العميق الذي انعكس بشكل مباشر على نبرة صوته وألحانه. تزوج في ثمانينيات القرن الماضي من نورا سعد الحريقي، ورزقا بابنتين هما سارة ومي.
إلا أن خريف عام 2006 حمل معه عاصفة من الأوجاع؛ حيث غيب الموت زوجته وشريكة دربه بعد صراع مع المرض في أكتوبر 2006، ولم يكد يلملم جراحه حتى توفي شقيقه الأكبر وسنده عبد الرحمن بعد شهر واحد فقط.
دفع هذا الحزن المزدوج بالجوهر إلى العزلة والابتعاد التام عن الساحة الفنية لعام ونصف، قبل أن يعود محاملًا بشجن طاعن ليترجم تلك المعاناة في ألبومه الشهير “الجرح أرحم”. مؤكدًا فلسفته الشخصية بأن الاستمرارية بالجودة ذاتها هي المحك الحقيقي للفنان.
إلى جانب الموسيقى، يعرف عبادي بشغفه الكبير بالقراءة، وخاصة عيون الشعر العربي القديم وكتب التاريخ، كما أنه يعشق رياضة تنس الطاولة ومشجع متعصب لنادي الأهلي السعودي.
ألقاب وتكريمات صاغت المجد
حصد “موسيقار الجزيرة العربية” خلال مسيرته الحافلة أرفع الأوسمة والجوائز التي تليق بمكانته، ومن أبرزها:
- تقليده أعلى وسام ثقافي في سلطنة عمان من قِبل السلطان قابوس بن سعيد عام 2005.
- الحصول على “العود الذهبي” من شركة روتانا. واقتناؤه لعود الملحن المصري الراحل محمد القصبجي الذي يتجاوز عمره مئة عام.
- نيله شهادة الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون في مصر. وجائزة أفضل مطرب خليجي في عدة مهرجانات بالقاهرة والإسكندرية.
- تكريمه مرتين في اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية. وحصوله على درع الإبداع من جمعية الثقافة والفنون عام 2018.


















