تنطوي أغلب الثقافات الشعبية حول العالم على قصص الوحوش، الذين يهاجمون ويقتلون ويثيرون الفزع، وعادة ما يكون هذا الوحش مجرد حيوان مفترس تتحول سيرته بين الناس إلى كائن أسطوري، ومن تلك القصص التي دارت أحداثها في فرنسا في القرن الثامن عشر.
قصة أخذت منحنى أكثر رعبًا وأكثر واقعية، وبالأخص أن الوحش تسبب في إحراج الملك أمام الصحافة الأوروبية. ولم يكن دربًا من الخيال الشعبي، بل واقعًا أفسد الحياة الريفية في منطقة جيفودان في فرنسا على مدار ثلاث سنوات.
جيفودان.. أرض خصبة لظهور الوحش
اضطرابات وتقلبات عاشتها فرنسا في القرن الثامن عشر، وبدأت تزداد حدة حتى نهاية القرن، كان المجتمع مقسمًا إلى طبقة ثرية تنفق بلا طائل. وأخرى تكدح من أجل أجر يومي لا يكفي نفقاتها، وطبقة متوسطة ناشئة تنمو ببطء على مدار القرن.
وساهمت الحروب في تردي الحالة الاقتصادية، وبالأخص بعد أن فقدت فرنسا الكثير من مطامعها الاستعمارية والإقليمية في أمريكا الشمالية. وأدى هذا إلى تأجيج مشاعر الغضب وانعدام الثقة بين المواطنين والملك لويس الخامس عشر، الذي حكم مدة 60 عامًا.
ظل المجتمع الفرنسي مجتمعًا تقليديًّا قديمًا حتى الثورة الفرنسية في 1789؛ وذلك لأنه حافظ على الامتيازات الأرستقراطية القديمة. بينما افتقر للأنظمة الحكومية الحديثة، وانعكس هذا بالسلب على المناطق الريفية المنعزلة جغرافيًّا. والتي عاشت في أوضاع سيئة، منها عدم وجود نظم صحية وتعليمية كالموجودة في باريس.
جيفودان واحدة من تلك المناطق الريفية النائية، والتي تحولت بعد الثورة الفرنسية إلى لوزار في مقاطعة تولوز،.كانت تعيش على الزراعة وتربية الأغنام والماشية، وكانت هجمات الذئاب مشكلة شائعة في المناطق الريفية الفرنسية بشكل عام. إلا أن ظهور الوحش الذي عرف بـ«وحش جيفودان» كان أبشع على جيفودان من هجمات الذئاب المعتادة من حين لآخر.
«وحش رهيب» يحوم حول المدينة
في صيف 1764، وبينما كانت إحدى النساء ترعى أبقارها، هاجمها وحش يشبه الذئب، ولكن حجمه أكبر بكثير. ولحسن الحظ تجمعت الأبقار أمامها، وحمت المرأة وناطحت الوحش الذي فرّ. عادت المرأة إلى قريتها ممزقة الثياب وفي حالة يرثى لها، وكانت هذه هي الضحية الأولى، والتي نجت بأعجوبة. وحين وصفت الوحش لم يلتفت لها أحد، قالوا إنه ذئب مسعور، وإن الخوف فقط هو ما دعاها للمبالغة.
في 30 يونيو (حزيران) عام 1764، قتلت جين بوليه البالغة من العمر 14 عامًا بالقرب من قرية سان إتيان دو لوجداريس. في منطقة جيفودان، وبعد شهر واحد فقط تعرضت فتاة تبلغ من العمر 15 عامًا لهجوم بالقرب من قرية بويلورنت في المنطقة نفسها. وأصيبت بجروح قاتلة، وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة وصفت مهاجمها قائلة: «وحش رهيب».
بدأ الوحش سلسلة دموية من الهجوم على السكان، عثر على ثلاثة أولاد يبلغون من العمر 15 عامًا مقتولين، كلاًّ منهم على حدة، ثم امرأة، ثم فتاة صغيرة، وكان القاسم المشترك بينهم جميعًا هي أجسادهم المشوهة. والتي بالكاد يمكن التعرف إلى صاحبها، أصاب الذعر الجميع في جيفودان، وبدأت الأحاديث تتناثر حول ماهية المهاجم؟ لكن في 8 أكتوبر (تشرين الأول)، عاد شاب إلى منزله، مرعوبًا ومصابًا بجروح خطيرة؛ فقد قابل الوحش في بستان، وهاجمه الوحش وقطع فروة رأسه وصدره.
كانت جيفودان كاملة تقر بوجود وحش يحوم حولها، الذين نجوا من الهجوم سواء بإصابات، أو حالفهم الحظ وتمكنوا من الهرب. نفوا أن يكون المهاجم ذئبًا؛ وأصروا أنه وحش لم يروه من قبل، وكان من الممكن تجاهل أقوالهم لو تضاربت في وصفه. إلا أن المثير للدهشة أن أوصافهم جاءت مقاربة جدًّا بعضها من بعض.
أولى ضحايا الوحش
من عادة الرعاة ألا يخافوا من الذئاب، فهم يطلِقون كلابهم تجاه لصوص الأغنام. ومَن لا كلاب لهم يكتفون بالعصيّ والصراخ والرَّشق بالحجارة، فتهرب الذئاب الجائِعة باحِثة عن فرائِسها في مكانٍ أكثر أمْناً.
لكن كل شيء تغيَّر عندما قتِلت الفتاة جان بوليه Jeanne Boulet البالِغة من العمر 14 عاماً، من حيّ لانغون Langogne التابع لمقاطعة لوزير. من قِبَلِ “وحش شَرِس”.
قيل الكثير عن هذه الجريمة، وفيما كان الناس منشغلين بدفن الضحية في الأول من أيلول/سبتمبر من عام 1764 صعِقوا بجريمة قتلٍ ثانية كانت ضحيَّتها فتاة في سن الــ 15 بالطريقة الوحشية ذاتها.
ترِك القرويّون يواجهون مصيرهم في ظلّ الرُعب المخيِّم على حياتهم، فتسلَّحوا بأفضل ما يمكن. واستعدَّوا لمواجهة الوحش معتمدين على أنفسهم. ونظَّموا حملات صيد منظَّمة بعنايةٍ كبيرةٍ، في كل الأوقات.
نهاية وحش جيفودان
يقول سولييه: “نحن في عام 1766، ضحايا الوحش تكاثروا بشكلٍ رهيبٍ إنه أسوأ عام في مواجهة الوحش. قرَّر صيَّادٌ من البلدة يدعى الماركيز دابشير le Marquis d’Apcher أن يستأنف الصيد رفقة عشرات الصيَّادين من الفلاَّحين وكـان بينهم صيَّاد ماهر يُدعى جون شاستيل Jean Chastel”.
في 17 حزيران/يونيو من عام 1767، هاجم وحش جيفودان فتاة صغيرة في قاع وادٍ فتوجَّه الصيَّادون على وجه السرعة إلى هناك وتمكَّن جان شاستل من قتل وحش جيفودان؛ إنه صيَّاد ماهر كان يُعتَبر أفضل قنَّاص في المنطقة وأصبح بطل الملحمة الطويلة ومُخلِّص سكَّان جيفودان من كابوسهم المُرْعِب.
هذه المرّة مات الوحش بالتأكيد، فلم يعد هناك هجوم أو ضحية، وهذا ما جعل السكان يتأكَّدون من أن جان شاستيل قتل وحش جيفودان في ذلك اليوم، ولم يقولوا “قتلنا ذئباً”، بل قالوا جميعاً “قتلنا وحش جيفودان”، وأشاروا إلى أنه كان “الوحش الذي وصفه جميع الشهود بالفعل”. تمّ تشريح الوحش ووُضِع تقرير مُفصَّل عنه، من قِبَلِ الماركيز دابشير جاء فيه : “إذا نظرت إلى هذا الحيوان من الخَلْفِ يبدو كأنه ذئب، لكن إذا نظرت إليه من الأمام يتَّضح أنه ليس ذئباً”.
وبفضل شاستيل وبندقيَّته المُبارَكة، غنَّى الأطفال في الريف، وعاد الهدوء، والرُعاة الصِغار خرجوا مع قُطعانهم آمنين.
أنْجِزَت مئات الأعمال الأدبية والفنية عن “وحش جيفودان” من رواياتٍ ومسرحياتٍ ومنحوتاتٍ ورسومٍ متحرِّكة وأفلامٍ وثائقية.
ففي العام 1858 كتب الفرنسي إيلي بيرتي Élie Berthet رواية “وحش جيفودان” La Bête du Gévaudan. التي نشِرَت مسلسلة آنذاك، واعتبرت متْقَنة للغاية، احتفظ فيها الكاتب بالشخصيات الواقعية. وتوالت بعدها أعداد مهمّة من الروايات المتنوِّعة التي ألَّفها عدد من الروائيين من فرنسا وغيرها من البُلدان الأوروبية.
أما في المسرح فقد عرِضَت لأول مرةٍ مسرحية “وحش جيفودان” سنة 1809 في باريس. وفي سنة 1936 صدرت مسرحية “الوحش الأسود” La Bête noire لجاك أوديبرتي Jacques Audiberti، عُرِضَت في باريس سنة 1948.
كما أسّس عام 1993 في منطقة سوغ Saugues في مقاطعة هوت لوار Haute-Loire (متحف الوحش جيفودان العجيب) يوفِّر للزوَّار فرصة اكتشاف لغز الوحش من خلال المشاهِد المُعاد بناؤها.




















