يعد العيش في دور الرعاية المؤسسية أحد أكبر التحديات التي تواجه الطفولة عالميًا؛ حيث ترتبط هذه البيئات بمخاطر صحية ونمائية جسيمة. فضلًا عن احتمالات التعرض للإيذاء النفسي والجسدي. ورغم خطورة الموقف. ظل عدد هؤلاء الأطفال لغز إحصائي حتى صدور هذه الدراسة التقديرية الشاملة التي أعدها باحثون من جامعة هارفارد ومؤسسات دولية أخرى، والمنشورة في مارس 2020.
رحلة البحث عن الحقيقة الرقمية
بحسب “thelancet” واجه الباحثون تحديًا هائلًا يتمثل في شح البيانات الرسمية، ما دفعهم لإجراء مراجعة منهجية شملت 136 دولة خلال الفترة من 2001 إلى 2018. اعتمدت الدراسة على نماذج إحصائية متقدمة (مثل أقل متوسط مربعات الأخطاء RMSE والانحدار ذي الحدين) لتقدير الأعداد في 191 دولة بحلول عام 2015، وهو العام الذي شهد انطلاق أهداف التنمية المستدامة.

النتائج: ملايين الأطفال في دائرة الخطر
كشفت الدراسة أن الأرقام العالمية تتأرجح بشكل كبير بناءً على المنهجية المستخدمة. ما يعكس “عدم يقين” إحصائي يحتاج إلى معالجة:
- التقدير المتوسط: يشير إلى وجود حوالي 37 مليون طفل يعيشون في دور الرعاية عالميًا.
- المدى التقديري: يتراوح الرقم بين 18 مليون كحد أدنى و 9.42 مليون كحد أقصى.
- المنهجية الأكثر دقة (RMSE): استقرت عند تقدير يبلغ 21 مليون طفل.
التوزيع الجغرافي: أين يتركز الأطفال؟
أظهرت النتائج تباين حاد بين المناطق الجغرافية. حيث جاء توزيع الأعداد (وفقاً لطريقة RMSE) كالتالي:
- جنوب آسيا: سجلت أكبر عدد بـ 13 مليون طفل.
- أوروبا وآسيا الوسطى: 01 مليون طفل.
- شرق آسيا والمحيط الهادئ: 78 مليون طفل.
- أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى: 65 مليون طفل.
- الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: 30 مليون طفل.
- أمريكا اللاتينية والكاريبي: 23 مليون طفل.
- أمريكا الشمالية: سجلت أدنى الأعداد بـ 09 مليون طفل.
والمفارقة التي كشفتها الدراسة هي أن البلدان ذات الدخل المرتفع سجلت أعلى متوسط لانتشار الإيداع في المؤسسات. بينما سجلت البلدان ذات الدخل المنخفض أدنى متوسط، وهو ما قد يعزى إلى توفر الإمكانيات اللوجستية لإنشاء هذه المؤسسات في الدول الغنية مقابل غيابها أو نقص الإبلاغ عنها في الدول الفقيرة.

تفسيرات وتوصيات.. نحو “إلغاء المؤسسات”
تخلص الدراسة إلى حقيقة مقلقة؛ وهي أن ملايين الأطفال لا يزالون يعيشون بعيداً عن الرعاية الأسرية، ما يحتم على المجتمع الدولي التحرك نحو “إلغاء الرعاية المؤسسية” (Deinstitutionalization) واستبدالها بأنظمة رعاية أسرية ومجتمعية.
أبرز التوصيات:
- توحيد التعريفات: ضرورة وضع تعريف عالمي موحد لماهية “الرعاية المؤسسية”.
- تطوير جمع البيانات: تحسين آليات الإحصاء، خاصة في الدول ذات الكثافة السكانية العالية. لضمان عدم بقاء هؤلاء الأطفال “غير مرئيين” في السياسات الوطنية.
إن الأرقام المذكورة في هذه الدراسة ليست مجرد إحصائيات، بل هي صرخة تدعو لإعادة النظر في كيفية حماية أضعف فئات المجتمع. إن تقليل الفجوة في البيانات هو الخطوة الأولى نحو ضمان حق كل طفل في العيش ضمن بيئة أسرية آمنة تدعم نموه وصحته.



















