ولد أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الشهير بأبو الطيب المتنبي في مدينة الكوفة في العام 303 للهجرة، وعاش فيها. وكانت أحسن أيام حياته وأكثرها عطاءًا من غيرها هي تلك السنون التي عاشها في بلاد سيف الدولة الحمداني في مدينة حلب.
ويعتبر المتنبي منذ ذلك الوقت وإلى الآن أحد أعظم شعراء العرب بدليل أنه ظل شعره وقصائده مصدر إلهام وقدوة وإيحاء لكثير من الشعراء والأدباء.
رحلات المتنبي بين بلاط الأمراء
كتب المتنبي 326 قصيدة تدور محاورها حول مدح الملوك وسيرته الذاتية وحياة عصره. ويقال أن أول قصيدة له عندما كان في التاسعة من عمره، إلا أن أفضل أشعاره كانت في الحكمة والوصف.
وبعد أن عاش تسع سنوات ونصف في بلاط سيف الدولة الحمداني جفاه الحمداني قرر المتنبي ترك بلاطه وهو غير كاره له. فغادر حلب وعاد ثانية إلى مدينة الكوفة.

ومن هناك بدأ الترحال لعدة بلدان حتى استقر به المطاف في مصر حيث “كافور الأخشيدي” فمدحه بقصيدة، ثم هجاه بقصيدة بعد مدحه. وقرر ترك مصر فغادرها في يوم عيد فكتب مطلع قصيدته المشهورة التي عبر فيها من مرارة على كافور وبلاطه تيمنًا بذلك اليوم :
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد
ثم عاد إلى مدينة الكوفة ثانيةً والتي منها شد الرحال لزيارة عدة مدن و مواقع مدح خلالها بعضا من أمرائها.
المتنبي مرآة عصره المضطرب
يجد المُتتبِع في شعر المتنبي صورة ناطقة للعصر الذي عاش فيه ففيه وصف الثورات والاضطرابات التي حدثت خلال القرن الرابع الهجري. حيث كان السلطان الفعلي آلة مسخرة في أيدي الوزراء وقادة الجيش والذين كان معظمهم من غير العرب.
وكنتيجة لذلك ظهرت الدويلات الصغيرة والإمارات المتصارعة في بلاد الشام فأدى ذلك إلى غزو الروم لهم. ثم ظهرت في العراق حركة القرامطة الذين استهدفوا الكوفة. في ذلك العصر المضطرب ولد ونشأ المتنبي متمردًا على واقعه فظل غير مستقر الذهن يفتش عن أرض تعطيه ويعطيها إلى أن استقر في أنطاكية في بلاد الشام والتي منها اتصل بسيف الدولة الحمداني.
وفي بلاط هذا الأخير وجد الناس أكثر تعقيدًا ونفاقًا من الجو العام الذي كان سائدًا آنذاك فماذا يعمل هو ما بين هؤلاء. فأحب ذاته بعد أن وجد ما بين المحيطين بهم من يستحق الاحترام. وعندما أدرك مصر ومدح هناك كافور الأخشيدي وجده ومن معه أكثر سوءً من غيره. مما زاد في عزة وتعداد نفسه فقال في ذلك :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
نهايته بين الكبرياء والمصير
بينما كان عائدًا يَنشُد الكوفة لقيه في الطريق “فاتك الأسدي” وجماعة من الأشرار فاقتتل الفريقان. وعندما أراد الهرب قال له ابنه محسد : “أتهرب يا أبي” وأنت القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
عرف المتنبي أن ابنه محسد ورث عنه الكبرياء فرد عليه بالقول “قتلتني قتلك الله”، فقُتل هو وابنه وغلامه في مدينة النعمانية على بعد حوالي مائة كيلومتر جنوب شرق بغداد. وخير ما قال المتنبي في اعتقادنا:
وإن كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسام
الرابط المختصر :



















