يواجه الكثيرون تساؤلًا يؤرقهم في لحظات ضعفهم واحتياجهم: “هل يتقبل الله تقربي إليه في أوقات الشدة، رغم أن الدافع الأساسي هو طلب الفرج وكشف الضر لا محض العبادة؟”. هذا الشعور بالتردد، الذي يمزج بين الرغبة في اللجوء إلى الله ودعاء المضطر وبين الخوف من عدم القبول، هو في حقيقته امتحان للنية. لكنه لا يعني بالضرورة إحباط العمل.
جدلية النية.. عندما يمتزج طلب الدنيا بالآخرة
ويوضح العلماء أن التشريك في النية، بمعنى أن يطلب العبدُ من الله تفريج كربته مع ابتغاء مرضاته، لا يقدح في صحة العبادة ولا يبطلها. فكما يبتغي الإنسان من جهاده نصرة الدين والرزق معًا، أو يصوم لغرض طبي وعبادي في آنٍ واحد، فإن الله -بفضله- لا يحرم العبد أجر طاعته وتضرعه حتى لو كان محفزُه الأول هو زوال ضيقٍ أو قضاء حاجة.
إن المذموم في الشرع ليس طلب “حسنى الدنيا” مقرونةً بحسنى الآخرة؛ بل المذموم هو العمل الصالح الذي يُراد به الدنيا وحدها، دون أن يكون للآخرة أو لرضوان الله أي نصيبٍ في قلب العامل. فالله سبحانه وتعالى هو “المجيب للمضطر”. وقد جعل الشدائد والمصائب بواباتٍ تفتح للقلوب القاسية طرق التضرع إليه. فهي رحمة خفية تعيد العبد إلى حظيرة الطاعة.

هل الإقبال في الشدة “مذموم”؟
ليس من المذموم أن يزداد العبد تقربًا إلى الله في أوقات البأس؛ بل إن القرآن الكريم في مواضع عدةٍ لامَ أولئك الذين قست قلوبهم فلم يتضرعوا حتى عند حلول البلاء. فالمؤمن الحازم هو من “يريش سهمه قبل الرمي”؛ أي أنه يوطد علاقته بالله في الرخاء ليجده في الشدة.
ومع ذلك، يظل “أكمل الأحوال” هو ثبات العبد على طاعة ربه في كل الأحوال، فلا تغيره النعمة ولا تكسره المحنة. فمن عامل الله بالتقوى في رخائه، تولاه الله باللطف والإعانة في شدته. إن الشخصية المتزنة هي التي تجعل من الأزمات محطاتٍ لتقويم المسار، لا أن تكون هي المحطة الوحيدة للاتصال بالخالق.

منهجية القبول.. الخوف والرجاء
ويظل الواجب على المسلم في كل أحواله أن يجمع بين ركنين أساسيين:
- الخوف من التقصير: وهو شعور إيجابي يدفع العبد لتفقد نيته وتصحيحها باستمرار، واتهام النفس بالتقصير لئلا يغتر بعمل.
- حسن الظن بالله: وهو الركن الذي يمنع العبد من اليأس من رحمة الله، مستحضرًا قوله تعالى: “أنا عند ظن عبدي بي”.
إن الدعاء النبوي الذي علمه النبي ﷺ لأصحابه: “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل”، يحمل في طياته دلالة على أهمية الاستمرار في الطاعة دون توقف. فإذا وجدتَ في نفسك إقبالاً وقت الضيق، فاستثمره، واجعل منه فرصة لتصحيح النية. واجعل من “تفريج الكربة” مجرد بداية لعلاقة أبدية مع الله، لا نهاية لها بانتهاء المشكلة.
لا تحرم نفسك من أبواب الفرج لمجرد وساوس النفس. ارفع يديك بالدعاء، واسأله تفريج كربك، وأتبع ذلك بالعمل الصالح. فالله سبحانه هو الجواد الكريم الذي يقبل من عباده القليل، ويجزيهم عليه الكثير، والباب إليه مفتوحٌ دائمًا لكل من جاءه بقلبٍ منيب.
















