تميزت منطقة الحجاز غرب السعودية عبر تاريخها بالنوافذ الخشبية ذات الأشكال الهندسية المتقنة، المعروفة باسم «الرواشين»، والتي تحولت مع مرور الزمن إلى عنصر أصيل في العمارة السعودية، ورمز بصري يعكس هوية المكان وخصوصيته الثقافية.
هذا الإرث المعماري يحظى اليوم باهتمام متزايد من الجهات المعنية التي تسعى إلى تطوير هذه الحرفة التقليدية والحفاظ عليها بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية.
وفي هذا السياق، أوضح المهندس حسان طاهر؛ المتخصص في الثقافة التراثية، أن الجهات المسؤولة في السعودية أولت عناية كبيرة بحرفة صناعة الرواشين بهدف صون هذا الإرث وتطويره.
وأشار إلى أن من أبرز مظاهر هذا الاهتمام المشروع الكبير لتأهيل جدة التاريخية، والذي يترافق مع إنشاء مراكز بحثية وتنظيم دورات تدريبية وورش عمل متخصصة.
إضافة إلى معامل «العينية» في المدينة المنورة التي أسهمت بدورها في دعم هذه الصناعة التقليدية والارتقاء بها.
وأكد “طاهر” أن الرواشين ما تزال حاضرة بقوة في البيوت التقليدية والقديمة في منطقة الحجاز، ولا سيما في جدة التاريخية، حيث تقف شاهدة على مفاهيم التراث العمراني، وتمثل مرجعًا مهمًا للمهتمين بدراسة العمارة الحجازية وتاريخها.
الرواشين الحجازية ومكوناتها
ووفقًا لموقع “العربية” يتكون «الروشان» من عدة عناصر معمارية لكل منها وظيفة محددة. ووفقًا للمهندس حسان طاهر، فإن من أبرز هذه المكونات «الغولة»، وهي الجزء البارز من الروشان وتعرف أيضًا باسم «المشربية».
ويأتي بعد ذلك «الشيش» الذي يسهم في تسهيل دخول الهواء إلى داخل الروشان. إذ يغطي المشربية من ثلاث جهات بما يسمح بمرور الهواء بشكل أفضل. أما «الكوابيل» فهي العناصر التي يحمل عليها الروشان وغالبًا ما تُصنع من الحجر لتوفير المتانة والدعم الإنشائي.
اختلاف الرواشين بين مدن الحجاز
لا تتشابه الرواشين الحجازية في جميع المناطق، بل تحمل كل مدينة بصمتها الخاصة. فقد أشار “طاهر” إلى أن رواشين مكة المكرمة تتميز بارتفاعها الكبير وحجمها الأكبر مقارنة بغيرها. وغالبًا ما تركب في صفوف متراصة وتمتد أحيانًا من الطابق الأرضي إلى الأعلى بشكل متواصل.
أما في المدينة المنورة، فقد تميزت الرواشين بتعدد تشكيلات وحداتها الزخرفية، وخصوصية تصاميمها ونقوشها الدقيقة التي تعكس ذائقة فنية عالية. وفي جدة التاريخية، ما تزال الرواشين قائمة حتى اليوم بوصفها شاهدًا حيًا على الطراز المعماري التقليدي، ومظهرًا من مظاهر أصالة الزمان والمكان في العمارة الحجازية القديمة.
قيمة جمالية ووظائف معمارية
لا تعد الرواشين مجرد عناصر زخرفية تزين واجهات المباني، بل تصنف من أهم المفردات المعمارية والجمالية التي أثرت بعمق في تصميم العمارة التقليدية بالحجاز.
وبحسب المهندس حسان طاهر، أدت الرواشين وظائف متعددة، من أبرزها تحسين التهوية الطبيعية داخل المنازل، وتنظيم دخول الضوء، إضافة إلى دورها الجمالي الذي يضفي على الواجهات طابعًا فنيًا مميزًا.
ويعود تاريخ الإبداع في صناعة الرواشين إلى أواخر القرن السادس الهجري. أي منذ العصر العباسي، حيث ازدهرت هذه الحرفة واستمرت حتى العصر الحديث، لتبقى الرواشين شامخة في مباني مدن الحجاز عمومًا، وفي جدة التاريخية على وجه الخصوص.
وحتى اليوم، ما تزال هذه النوافذ الخشبية بإطلالتها المميزة تروي قصة طراز معماري فريد، يجمع بين الإتقان الفني والوظيفة العملية والجمال البصري.





















