ظاهرة التسول.. بين الحاجة واحتراف السلوك

ظاهرة التسول.. بين انكسار الحاجة واحتراف العادة
ظاهرة التسول.. بين انكسار الحاجة واحتراف العادة

تعد ظاهرة التسول من أبرز الظواهر الاجتماعية السلبية التي تؤرق المجتمعات الحديثة، فهي ليست مجرد طلب للعون، بل سلوك معقد يتأرجح بين “العوز الحقيقي” وبين “الامتهان المدروس”. ورغم تطور منظومات الضمان الاجتماعي، إلا أن هذه الظاهرة لا تزال تطل برأسها، مما استدعى إطلاق حملات وطنية مكثفة لمكافحة الظواهر السلبية وضبط الشارع العام.

التسول.. تعريف في ميزان الكرامة

التسول في جوهره هو طلب العطاء والمال من الآخرين، ويتخذه البعض “مهنة” بديلة عن العمل الشريف، مستغلاً عواطف الناس ومروءتهم. وفطريًا، يولد الإنسان بكرامة تمنعه من بذل وجهه للسؤال إلا في ضيق عظيم ومسألة قاهرة، لكن مع البعض، تتسلل آفة الكسل لتجعل من “اندثار الكرامة” ثمنًا بسيطًا مقابل الكسب السريع دون مجهود.

ظاهرة التسول.. بين انكسار الحاجة واحتراف العادة

بين الحاجة والعادة: أين تكمن الحقيقة؟

عند تحليل هذه الظاهرة، يبرز السؤال الجوهري: هل التسول استجابة لـ “حاجة” أم استسلام لـ “عادة”؟

  • التسول كحاجة: هو الحالة التي تضطر فيها الظروف القاسية (كالعجز الكلي أو الكوارث) الإنسان للسؤال. وهنا تدخلت الدولة عبر قوانين التضامن الاجتماعي لتوفير البديل الكريم، مما أسقط حجة الحاجة عمن يتخذ الشارع مقراً له.
  • التسول كعادة (واحتراف): أثبتت الدراسات الميدانية والحملات الأمنية أن نسبة كبيرة من المتسولين، خاصة الأجانب منهم، اتخذوا من التسول “بيزنس” مربحًا. هؤلاء لا يبحثون عن سد جوع، بل عن مراكمة ثروات سهلة، حيث يجدون في الشارع “سوقًا” مفتوحة للكسب السريع الذي يفوق أحياناً دخل الوظائف النظامية.
ظاهرة التسول.. بين انكسار الحاجة واحتراف العادة

المقاربة الأمنية والاجتماعية: من النصيحة إلى القانون

لم تكتفِ الحملات الوطنية بمجرد “الضبط”، بل اعتمدت منهجية متدرجة:

  1. النصح والحلول: يبدأ التعامل بتقديم النصح وتوجيه المحتاجين فعلاً إلى صناديق الدعم الاجتماعي.
  2. التعهد القانوني: يتم توقيع المتسول على تعهد بعدم العودة للشارع، كفرصة لتعديل السلوك.
  3. التجريم والملاحقة: عندما يصبح التسول “خيارًا أولاً” متكررًا رغم توفر البدائل، يتحول الفعل هنا من “ظاهرة اجتماعية” إلى “جريمة قانونية“. فالقانون يجرم العودة للتسول باعتباره سلوكًا طفيليًا يضر بمنظر العاصمة ويستنزف جيوب الخيرين بغير حق.

إن التسول في العصر الحالي لم يعد يعبر عن الفقر بقدر ما يعبر عن خلل في القيم والاعتماد على الكسب السهل. إن مكافحة هذه الظاهرة هي مسؤولية مشتركة بين رجل الأمن، الذي يطبق القانون، وبين “المواطن” الذي يجب أن يوجه صدقاته للجهات الرسمية والمحتاجين المتعففين، بدلًا من تشجيع هؤلاء الذين باعوا كرامتهم مقابل الكسل.

الرابط المختصر :