يعرف الزواج في الثقافة الإسلامية بأنه “ميثاق غليظ”، وهو وصف قرآني يشير إلى قدسيته وعمق العلاقة التي تربط بين الزوجين. إنه رابط روحي واجتماعي يقوم على المودة والرحمة. ويعد أساسًا لتكوين الأسرة واستقرار المجتمع. لكن في العصر الحديث، بدأت بعض المفاهيم المادية تلقي بظلالها على هذا الميثاق. محولة إياه في بعض الأحيان إلى “عقد عمل” أو “صفقة تجارية” تدار بمنطق الربح والخسارة.
تداعيات المفهوم المادي على الزواج
عندما ينظر إلى الزواج على أنه عقد عمل، تتبدل أولوياته. فبدلًا من أن يكون مبنيًا على التضحية والعطاء المتبادل، يصبح كل طرف يراقب ما يقدمه الآخر، ويحاسبه على ما يأخذ، وكأن العلاقة تدار وفق بنود عقد مهني.
- انحسار المودة والرحمة: يصبح التركيز على الحقوق والواجبات المادية على حساب المشاعر الإنسانية. يمكن أن يسبب هذا التركيز على الأدوار المحددة والمنافع المتبادلة فتورًا عاطفيًا. ما يضعف الرابط الروحي بين الزوجين.
- تفكك الأسرة: يظهر بحث نشر في مجلة علم اجتماع العائلة (Journal of Family Sociology) أن الزيجات القائمة على المصالح المادية غالبًا ما تكون أكثر هشاشة وعرضة للانهيار. فبمجرد زوال المصلحة، لا يبقى هناك أساس قوي للعلاقة. ما يؤدي إلى الطلاق.
- خلق بيئة تنافسية: قد تصبح العلاقة الزوجية ميدانًا للمنافسة بدلًا من التعاون. قد يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب شخصية أكبر. ما يهدد استقرار الأسرة ويورث الأبناء بيئة غير صحية.

أسباب التحول
يمكن أن يعزى هذا التحول إلى عدة عوامل:
- الأسباب الاقتصادية: يصبح الزواج وسيلة لتحقيق الاستقرار المالي أو تحسين الوضع الاقتصادي. كما يمكن أن يُنظر إليه كـ “مشروع” مشترك. حيث يساهم كل طرف بماله أو جهده لزيادة الدخل وتحقيق الرفاهية المادية.
- الرغبة في المزايا الاجتماعية: قد يستخدم الزواج للحصول على مكانة اجتماعية معينة، أو جنسية، أو لتسهيل أمور قانونية.
- التفكير الفردي: تركز المجتمعات الحديثة بشكل أكبر على الفردانية والاستقلالية. في هذا السياق، يمكن أن ينظر إلى الشريك على أنه مُكمّل لمصلحة الفرد، وليس كجزء من كيان واحد يُبنى على التضحية.
الآثار السلبية
عندما يصبح الزواج عقد عمل، فإنه يفقد جوهره الحقيقي؛ مما يؤدي إلى:
- انعدام الأمان العاطفي: تفقد العلاقة حميميتها وتصبح علاقة جافة قائمة على تبادل المنافع. يصبح كل طرف يراقب ما يقدّمه الآخر. ما يورث شعورًا بعدم الأمان والشك.
- هشاشة العلاقة: تظهر الإحصائيات أن الزيجات القائمة على المصالح المادية أكثر عرضة للانهيار. فبمجرد زوال المصلحة، لا يبقى هناك ما يربط بين الطرفين. ما يؤدي إلى الطلاق. على سبيل المثال، إذا كان الهدف من الزواج هو الحصول على جنسية، فإنه قد ينتهي بانتهاء هذه المصلحة.
- تأثير سلبي على الأبناء: ينمو الأطفال في بيئة تفتقر إلى المودة والرحمة. ما قد يؤثر سلبًا على صحتهم النفسية وقدرتهم على بناء علاقات عاطفية سليمة في المستقبل.

العودة إلى الميثاق الغليظ
لتجنب تحويل الزواج إلى مجرد صفقة، لا بد من العودة إلى جوهره الحقيقي كميثاق يقوم على أسس راسخة:
- المودة والرحمة: يجب أن يكون الهدف الأساسي من الزواج هو تحقيق السكينة النفسية والعاطفية، وليس الربح المادي.
- التضحية والعطاء: إن الزواج الناجح يتطلب من كل طرف التخلي عن الأنانية، والتركيز على سعادة الشريك، وإدراك أن العلاقة ليست مجرد تبادل للمنافع.
- الوعي بأهمية الزواج: يجب على الأفراد والمؤسسات الاجتماعية إعادة التأكيد على مكانة الزواج كعلاقة إنسانية مقدسة، وليس كأداة لتحقيق أهداف مؤقتة.
إن الزواج الذي يبنى على التفاهم، والاحترام المتبادل، والتقدير، هو الذي يستمر ويثمر أجيالًا سوية. إنه ميثاق غليظ يجمع بين شريكين ليُكملا بعضهما البعض في رحلة الحياة، لا عقد عمل ينتهي بانتهاء المصلحة.











