في كثير من الأحيان، نقع فريسة لعادات تفكير سلبية تعيق تطورنا الفكري والمعرفي. فبدلًا من أن نقارب النصوص والأحاديث بعقل منفتح، أصبحنا نقرأ لنعترض ونستمع لنرد. لا لنفهم أو نتعلم. هذه العقلية، التي تركز على الجدل بدلًا من الاستيعاب. تفقدنا جوهر المعرفة وتبعدنا عن الحقيقة. وبالتالي فقدنا ثقافة القراءة.
القراءة تهذيب للنفس
التعلم عملية تراكمية تتطلب الصبر والتواضع. عندما نقرأ كتابًا أو نستمع إلى محاضرة، يجب أن يكون هدفنا الأول هو استيعاب وجهة نظر الكاتب أو المتحدث. ومحاولة فهم الأسباب التي دفعته إلى طرح أفكاره. هذا لا يعني أننا يجب أن نوافق على كل ما يقال، بل هو خطوة أولى ضرورية للحوار البناء.
وفقًا لدراسة نشرت في “مجلة علم النفس التجريبي” عام 2017، فإن الأشخاص الذين يستمعون بنية الفهم وليس بنية الرد، يظهرون قدرة أكبر على حل المشكلات المعقدة والوصول إلى حلول مبتكرة. هذا لأن الاستماع الفعال ينشط مناطق الدماغ المسؤولة عن التعاطف والتفكير التحليلي، مما يساعدنا على رؤية الأمور من منظور أوسع.

حكمة الفيلسوف اليوناني أفلاطون
لنتأمل الحكمة التي قالها الفيلسوف اليوناني أفلاطون: “الحكمة تبدأ بالدهشة”. الدهشة تأتي من الرغبة الصادقة في الفهم. وليس من الرغبة في الانتصار في النقاش. عندما نحرر أنفسنا من عبء الرغبة في الرد السريع، نفتح عقولنا أمام أفكار جديدة، ونكتسب معارف لم نكن لنتوقعها.
تعد القراءة ركيزة أساسية لا غنى عنها في بناء الحضارات وتقدمها. فكما قال الفراعنة على جدران أول مكتبة لهم “هذا غذاء النفوس وطب العقول”. فإن القراءة ليست مجرد هواية. بل هي ضرورة وجودية. إنها أساس الحرية الفكرية والثقافية. والسبيل الوحيد لبناء مواطن واعٍ ومستقل قادر على المساهمة في صناعة حاضر مجتمعه ومستقبله.
مشكلة القراءة: جذور مركبة ومتشابكة
ومن جانب اخر أوضح موقع “elnokhbapublish” إن ضعف ثقافة القراءة او استخدامها بشكل خاطئ في مجتمعاتنا العربية ليس مشكلة عابرة، بل هو قضية مركبة ومتجذرة تعود إلى عدة عوامل. لا تقتصر المشكلة على دور المؤسسات التعليمية وحدها. بل تتجاوزها لتشمل المجتمع بأكمله. إنها انعكاس لذهنية سادت عبر تاريخ من الجمود الفكري. حيث سادت ثقافة الحفظ وتخزين النصوص على حساب ثقافة النقد والتحليل.
من المفارقات اللافتة أن مجتمعات “اقرأ” لا تقرأ. على الرغم من أن أول كلمة في القرآن الكريم هي أمر بالقراءة، إلا أن هذا الأمر لم يترجم إلى سلوك مجتمعي راسخ. فبينما ركزت هذه المجتمعات على حفظ النصوص، أهملت جوهر القراءة كأداة للفهم والتفكير النقدي.

دور المؤسسات في تعزيز القراءة
تتحمل المؤسسات المختلفة مسؤولية كبيرة في غياب ثقافة القراءة، منها:
- المؤسسات الدينية: غالبًا ما تفتقر المساجد إلى المكتبات التي تحتوي على كتب دينية وغير دينية، مما يحصر دورها في حفظ القرآن دون تشجيع القراءة الواسعة.
- الأسرة: تفتقر العديد من المنازل العربية إلى مكتبات أو مساحات مخصصة للكتب. مما يجعل القراءة غائبة عن الروتين اليومي للطفل قبل دخوله المدرسة.
- المدرسة: لا تنمي المناهج التعليمية حب القراءة كفعل واعٍ وذاتي، بل تحولها إلى مجرد وسيلة للحصول على علامات أو التحضير للامتحانات.
- وسائل الإعلام: تسهم وسائل الإعلام في تهميش القراءة من خلال تركيزها على برامج التسلية الهزيلة ونشر نماذج لا علاقة لها بالعلم والمعرفة.
- الدولة والمجتمع المدني: تقع على عاتق الدولة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية وضع سياسات ثقافية واضحة تولي أهمية للكتاب والمكتبات، وتسهّل وصول المواطنين إليها، باعتبارها حقًا أساسيًا.

نحو مجتمع قارئ: استنبات ثقافة جديدة
بناء مجتمع قارئ يتطلب تحويل القراءة من مجرد نشاط طلابي إلى سلوك ثقافي وقيمة اجتماعية. لا يمكن اختزال القراءة في أنها ترف فكري، بل هي ضرورة يومية ملحة. يجب أن تتضافر الجهود لاستنبات ثقافة جديدة عبر مداخل التنشئة الاجتماعية، تشجع على القراءة والكتابة، وتعلي من شأنهما.
كما يجب التنويه إلى أن المشكلة ليست في الأدوات الحديثة مثل الإنترنت، بل في كيفية استخدامها. فبدلاً من استهلاك المحتوى الترفيهي فقط، يمكن استغلال هذه التقنيات للوصول إلى الكتب والمجلات الرقمية، مما يفتح آفاقًا جديدة للمعرفة تتجاوز الحدود الجغرافية.



















