كيف يحاصر إدمان الكمبيوتر طفولة أبنائنا؟

أصبح الحديث عن تسلل الثقافة الإلكترونية إلى عالم الأطفال متأخرًا، إذ لا مجال لإنكار واقعها. لكن مبرر العودة لطرح هذا الموضوع هو أن هذا التسلل متجدد في أساليبه، متطور في مضمونه. مبهر في شكله، وقد فرض نفسه حتى شمل جميع جوانب حياة الأطفال. ليغدو خطرًا يهدد مستقبلهم.

نضج في غير أوانه

كما لا يدرك كثير من الآباء والأمهات معنى حديث أطفالهم أو مدلولات الألفاظ التي يستخدمونها أثناء تعاملهم مع التطبيقات والبرامج الإلكترونية. فهي لغة مغايرة تمامًا جذبت اهتمام الطفل، وأتقن استخدامها والتفاعل من خلالها. ما أتاح له الدخول إلى عوالم بعيدة والتواصل الحي والمباشر مع شعوب وأجناس مختلفة.

بينما على الرغم من مزايا هذا التواصل وفوائده في توسيع وعي الطفل ورفع مستوى ثقافته واتساع مداركه. فإن هذا الواقع فرض عليه نضجًا مبكرًا يكاد يمحو ملامح طفولته ويلغيها.

 

لقد غدا الطفل دون السادسة رجلًا صغيرًا قبل أوانه وقبل أن يدخل المدرسة. وصارت الطفلة في الخامسة مراهقة في تصرفاتها، يلعبون ألعابًا عنيفة ويشاهدون مناظر مخيفة. ويعيشون مواقف حزينة لقصص مؤلمة مليئة بالشجار والصراخ والبكاء. وغاب عنهم سماع الموسيقى العذبة. والتمتع بجمال الطبيعة، والتفاعل مع المواقف الإنسانية النبيلة التي تناسب أعمارهم.

 

الوحدة الاجتماعية و هجر روح الطفولة

لقد احتل الأطفال في أسرهم مكانة أكبر من حجمهم، وأصبحوا أبطالًا أمام آبائهم على مسرح الحياة. يقلدون الكبار في أسلوب الحديث ونمط الفعل وطريقة التصرف، وحتى في اللباس وتناول الطعام.
وتراهم في مجالس الكبار يبادرون بالتعبير عن الرأي ولو عن جهل وفي غير موضعه. بدافع إرادة إثبات الذات المفعمة بالثقة. ما يتجاوز بطفل صغير صفته البريئة، فيتحول إلى كتلة من الأحاسيس المكتسبة، وهي في حقيقتها قابلة للزوال أو سريعة التغير، وربما قابلة للتطور.

 

 

كما يعد تعود الطفل على استخدام الكمبيوتر في الدراسة والمطالعة واللعب. يؤدي تدريجيًا إلى إدمانه والتعلق الشديد به على حساب اهتمامه بصحته وتنشيط جسمه بالرياضة. وتنمية مهارات التواصل مع والديه وإخوته.
ومثل هذا الطفل يفتقر إلى الأصدقاء، ولا يهتم بإقامة علاقات زمالة في المدرسة، وقد ضيع معظم أوقاته وحيدًا، منعزلًا، مستغرقًا في التفكير والتأمل، يحيط الغموض بذاته، ويفتقر إلى المهارات الأساسية، ولا يجيد أبسط الأعمال اليدوية.

 

مخاطر الإدمان على الشاشات

 

كما أن إدمان استخدام الكمبيوتر لفترات طويلة يعرض الطفل لخطر الإصابة بالأمراض. وعلى رأسها أمراض العيون المختلفة وظهور الهالات السوداء أسفل العين. وقد يصل الأمر إلى إعاقة دائمة على مستوى الرقبة والظهر والركبة، إضافة إلى توتر الأطراف والتقلصات العضلية وأمراض الجهاز العصبي مثل القلق والعصبية الزائدة.

وتظهر هذه المشكلات في فترة البلوغ، وحينها للأسف لن يكون العلاج سهلًا، إذ يستغرق مدة أطول ويتطلب تكاليف أكبر. وتصبح إصابة الطفل بهذه الأمراض مؤكدة لعدم معرفته بطريقة الجلوس الصحيحة أمام الكمبيوتر، خصوصًا في مرحلة نمو العظام وتشكل العضلات. ما يسبب تشوهات يصعب تداركها أو تصحيحها.

وهنا تكمن خطورة الأمر حين نتخيل جيلًا كاملًا يعاني من الإعاقات لهذا السبب، ويقع الواجب على عاتق الوالدين والمؤسسات التعليمية ومقاهي الإنترنت لمواجهة هذه المشكلة ومعالجتها.

 

أجهزة الكمبيوتر حماية للطفل أم تدمير

يصل خوف بعض الأولياء على أطفالهم إلى حد تركهم لساعات طويلة أمام شاشات الكمبيوتر. بهدف إبعادهم عن بيئة يرونها غير سليمة وخطيرة صحيًا. ويستند ذلك إلى اعتقاد شائع بأن أي أزمة في حياة الطفل قد تخلف عقدة نفسية. فيسعى الوالدان لحمايته من المؤثرات السلبية بعزله عن الحياة الواقعية.

 

ويرى فريق أن التوتر جزء لا ينفصل عن حياة البالغين، وأن على الطفل أن يعتاد عليه تدريجيًا. بحيث تمنحه التوترات الصغيرة في طفولته القدرة على مواجهة الضغوط مستقبلًا. بينما يعتقد آخرون أن تعريض الصغار للتوترات في سن مبكرة قد يصيبهم بالاكتئاب وخيبة الأمل، ويدفعهم إلى الانعزال لتجنب ما يكرهونه، مما قد يرسخ فيهم سلوك الانطواء.

الوالدين محور توجيه الأبناء

الوقائع العملية تؤكد أهمية الدور الحيوي والرئيسي للوالدين في تحقيق التوازن بشخصية الطفل. بين تمتعه باستخدام أحدث تقنيات العصر من وسائل التواصل والاتصال التي تناسب زمنه. وبين التواصل الإيجابي والمباشر معه.

ويتحقق ذلك عبر تشجيعه على إبداء رأيه في تدبير شؤون المنزل. والمشاركة في اختيار مكونات وجبة الغداء أو العشاء، والخروج في العطلات لزيارة الأهل والأقارب. وتوفير فرص اللعب وممارسة التمارين الرياضية، خصوصًا القتالية الشاقة، ومشاركته في اختيار أصدقائه.

 

 

حينها، يكتسب الطفل قدرًا كبيرًا من الثقة بالنفس التي لا تهتز أمام سخافات الآخرين. ويتمتع بقدرة نابعة من قناعته على التكيف مع واقعه بما يحمله من إيجابيات وسلبيات. والسيطرة على بيئته الاجتماعية في المنزل والمدرسة والحي. ثم التكيف لاحقًا مع محيطه العملي والمهني، مع تعميق تفاؤله بتحقيق الانتصارات في حياته.

الوعي و العقلانية في الاستعمال

الاستخدام المعتدل لجهاز الكمبيوتر ينفي الادعاء بمحاولة عزله عما يؤذيه أو دفعه إلى ما يضره. كما أن المراقبة المستمرة من الأهل تضمن سلامته العقلية من أي ضلالات فكرية. وتجنبه اعتلال صحته النفسية نتيجة تراكم مشاهد سلبية. وتقي حالته الصحية من الإصابة بأي أمراض أو إعاقات جسدية.

ولعل من أخطر آثار الإدمان على استخدام الكمبيوتر. في غير ما ينفع العلم والمعرفة وتنمية المواهب. هو الاستلاب المقيت للعقول نحو الأفكار المتطرفة وتبني الخطاب العنيف. أو محاولة تغريب الشباب عن أوطانهم وإغرائهم بالمال والمتع للسفر والهجرة. ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف في أحضان شبكات الهجرة غير الشرعية وعصابات المتاجرة بالبشر وبأعضاء الضحايا.

كما إن التنبيه إلى خطر استخدام الكمبيوتر لا يعني الامتناع عن شرائه أو الاستغناء عن استعماله. بل الحذر من إدمان استخدامه طوال الوقت، والتنبه لمحتوى بعض المواقع التي تخل بالأخلاق والآداب. وتخدش الحياء، وتشوش العقول.

 

الرابط المختصر :