التعافي من جروح الطفولة

يفترض أن يكون الزواج مساحة أمان ودعم، لكن في بعض الأحيان يتحوّل، من دون قصد، إلى مرآة تعكس جروحًا قديمة لم تشفَ بعد. فجأة، تظهر ردود فعل مبالغ فيها، حساسية زائدة، أو خوف من الهجر لا يبدو مرتبطًا بالموقف الحالي. هنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن للزواج أن يُعيد إحياء جروح الطفولة المدفونة؟

“الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون”. هذا المثل ينطبق تمامًا على الأزواج الذين تعرضوا في طفولتهم إلى أخطاء في التربية والمعاملة من طرف أوليائهم. الأمر الذي تسبب لهم في جروح وندوب نفسية وعاطفية عميقة، يصعب عليهم تجاوزها لدرجة أنهم قد يفشلون في علاقاتهم الزوجية بسببها.

جروح الطفولة هي آلام نفسية مخبأة في جهازنا النفسي والعصبي، نصاب بها في طفولتنا وتكبر معنا لتؤثر على حياتنا. سواء في المراهقة أم البلوغ أم حتى في آخر عمرنا. بدليل أن هنالك شيوخًا في السبعين والثمانين من العمر ما زالت جراح الطفولة تعذبهم.

وتكون هذه الآلام ناتجة عن أحداث مؤلمة، وبالأخص أحداث التعنيف، كالضرب، التخويف، التحرش، أو أحداث الحرمان. أي أن يحرم الطفل من تلبية احتياجه للحب، الاهتمام، والرعاية، التقدير وغيرها.

كما يمكن أن تكون هذه الجروح ناتجة عن توهمات الطفل الذي يولد وهو يحمل استعدادًا جينيا ليرى ويشعر بأنه محروم أو معنف. لأنه في شجرة عائلته، أجداده وأجداد أجداده تعرضوا لجروح طفولة معينة، فيولد الطفل ولديه قابلية ليحس بذلك الألم. وهو لم يعشه في الحقيقة. فيتوهمه ويتوقعه لأنه مبرمج جينيًا عليه.

Story pin image

تكرار نفس الخلافات بلا سبب واضح

عندما تتكرر المشكلة نفسها في الزواج من دون حل جذري، قد يكون السبب أعمق من الخلاف الظاهر. أحيانًا لا يكون الصراع حول التفاصيل اليومية، بل حول احتياج عاطفي قديم لم يُشبَع، مثل الشعور بالأمان أو الاحتواء.

رحلة شفاء الطفل الداخلي: هل جراحك القديمة ما زالت تتحكم في حاضرك؟ - همسة سماء الثقافة لتنمية المرأة والطفل

هل الذنب على أحد؟

إحياء جروح الطفولة داخل الزواج لا يعني فشل العلاقة ولا يُحمّل أحد الزوجين الذنب بل هو دعوة للفهم والوعي. فالزواج لا يصنع الجروح، لكنه قد يكشفها.

آليات تأقلم للتخفيف من جروح الطفولة

هذه الجروح، تخلق ألمًا نفسيًا يتعامل معها الطفل بآليات لتخفيفه، هذه الآليات تصنع أنماطا تبني شخصية الفرد. فالطفل الذي لديه جرح طفولة التي تدفعه للتنقيص من قيمة ذاته، يخلق آلية تأقلم من نوع المثالية المفرطة، هدفها تخفيف الألم الناتج عن نقص التقدير.

فيميل إلى الإتقان الزائد والمثالية المفرطة، تخفيفا لهذا الألم. وعندما يكبر ويكون أسرة سوف يهمل زوجته وأولاده ليقدم أوقاتًا إضافية من العمل في المؤسسة التي يعمل بها.

Story pin image

وجرح نقص القيمة، ترافقه مشاعر قوية جدًا. وحتى يتعايش الفرد معها يطور آلية تأقلم من نوع المثالية المفرطة، حيث يكون كثير الاجتهاد والإتقان لعمله ومهامه لا يترك أي هامش للخطأ ويسعى دائما للإنجاز والتميز. لأنه عندما يفعل ذلك يشعر بأنه ذا قيمة. ويهدأ جرح الطفولة الذي يعاني منه، وفي المقابل، عندما لا ينجز، يحتقر ويمقت ويلعن ذاته.

العلاج

أساس علاج جروح الطفولة هو الوعي، ليس بها تحديدًا، وإنما الوعي بالأنماط المتكررة، أي بالطرق والأساليب التي نستخدمها لتخفيف الألم الناتج عنها.

فالإنسان الذي يشعر بأنه لا قيمة له ويستخدم المثالية الزائدة نقول إن نمطه هو المثالية. فلما يعي ذلك، يبدأ المشروع العلاجي الذي يبنى على جلسات علاجية قائمة على طرق حديثة، مثل العلاج بالمخططات والعلاج بالتقبل والالتزام، يستطيع المريض أن يكمل مسيرة التشافي لوحده.

فتلك الجراح يمكن أن تظهر من جديد وتستحوذ عليه، حتى لا يورثها لأولاده الذين يجب أن يستخدم معهم نمطًا تربويًا سليمًا قائمًا على التربية الواعية.

 التعافي من جروح الطفولة مشوار طويل، لكنه يسحق التعب، ومع الوعي والدعم الصحيح. نستطيع الخروج من تأثيرات الماضي السلبية ونعيش حياة أحسن. المهم أننا نكون صبورين مع أنفسنا ونتذكر أن كل خطوة صغيرة تقربنا من الشفاء الحقيقي.

الزواج لا يعيد إحياء جروح الطفولة ليؤلمنا، بل ليمنحنا فرصة لفهمها وشفائها. حين يدرك الزوجان ذلك، يمكن للعلاقة أن تتحوّل من مصدر توتر إلى مساحة أمان حقيقية، ينمو فيها الطرف.

الرابط المختصر :