من صور مرسومة في الجبال ورموز منحوتة بالصخور وجدران الكهوف إلى ألوان وفنون سجلت البشرية قديمًا تاريخها. وروت الأمم حكايات شعوب أسست حواضر وشيدت حضارات ظلت آثارها تثبت حضورهم وجعلت فنونهم تؤكد وجودهم.
حاول الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ أن يحوّل انفعالاته إلى أشكال لها معانيها بقدر سلوكه الحضاري. والفنان المصري القديم هو أول من مهّد لقبول معني المثالية في الفن الإغريقي خلال القرن الخامس قبل الميلاد. ثم عادت إلى الظهور عند الإيطاليين في عصر النهضة بين القرن الخامس عشر والربع الأول من القرن السادس عشر.
أما في العصور الوسطى، وهي التي تتوسط النهضتين الإغريقية والإيطالية، حاول الإنسان على الرغم من انحطاط المستوى الثقافي والاجتماعي أن يبدع فنونًا يعبّر بها عن مشاعره. فيرسم علامات تبدو للعين أشياء قريبة الشبه إلى ما في أذهاننا من صور كالدائرة التي تدل على قرص الشمس. والشكل البيضوي الذي يشبه جسم قط أو كلب.. وإلى غير ذلك.
وهي الدليل على الشبه بين رسوم الطفل ورسوم الرجل البدائي ورسوم فناني العصور الوسطى؛ بما تظهره من سذاجة وخشونة التعبير في الفنون التشكيلية نتيجة قلة المعرفة ونقص المهارة. ويتلاشى هذا النقص تدريجيًا تبعًا لنمو مدارك الإنسان الحضارية في فهم معاني الجمال.
ولما كانت الحياة ممثلة في الحركة فالإيقاع هو الدليل عليه. مثال ذلك أن الثعبان ـبغض النظر عن شعورنا نحوهـ يتمثل في خط متعرج ذي انحناءات متشابهة يتركها على الرمال أثرًا بعد عين. ويتألف منها الإيقاع، وهو العنصر الأساسي للحركة.
وعلى جدران الكهوف نشاهد رسومًا لقطعان الحيوان على شكل مجموعات. بعضها صاعد والبعض الآخر هابط في إيقاع يدل على الحركية والحيوية.
كما أنه طبقًا لنمو الاحساس بالجمال استرعي نظر الإنسان البدائي، عندما حاول أن يزخرف مقبض سلاحه أو يزين جدران كهفه. مسألة التكوين والنسب، وفي رسوم قاذف الرمح والوعل نلاحظ اختلافًا في نسب أعضاء جسمه وفي النسبة بينه وبين الحيوان. ثم استطاع أن يتوصل إلى معرفة النسب المباشرة بين أعضاء جسم واحد ثم بين جسم وجسم آخر.
في حين أدى الاهتمام بشغل المساحات وترك الفراغات التي تتكون منها هذه العناصر إلى إيجاد قيم جمالية أخرى نشاهدها في تنوع الحركات. مثل: التوثب والهجوم والتربص والاستخفاء. إلى أن استطاع الفنان المصري القديم أن يضع قانونًا حدد به طول جسم الإنسان باثنين وعشرين إصبعًا. ويرسم الأجسام والوجوه من الجانب إمعانًا في تحديد أوصافها. وأن يرسم العين واسعة وفي وضع جانبي على غير ما هو معروف في قاعدة المنظور. ويزيد من مرونة وليونة الخطوط الخارجية.
كما استطاع الفن الإغريقي، الذي يعتبر الطبيعة المثل الأعلى، أن يضع القوانين التي حدد بها النسب الصحيحة في تماثيل آلهتهم وأبطالهم في النحوت التي كانت تتدلى من بناء معبد “البارثنون”. وكذلك عمد الفنان والعالم المدقق ليوناردو دافنشي إلى تصغير الشخصيات؛ بحيث تبدو أقل شأنًا وحجمًا في صورة المسيح الذي سلط عليه الضوء في وسط لوحته المشهورة “العشاء الأخير” لتعظيم قدره. تمامًا مثلما كان يفعل الفنان المصري القديم الذي لم يغفل تخصيص أكبر النسب للآلهة وتصغيرها شيئًا فشيئًا في الملوك والرعية.
وتمضي فنون الرسم والنحت من صرامة الحفر على الحجر في عصور ما قبل التاريخ إلى جبروت التماثيل المصرية والآشورية. لتظهر في مثالية الإغريق، ثم تتحول إلى الخشونة الكهنوتية في العصور الوسطى. لتصعد مرة أخرى إلى القمة في عصر النهضة الإيطالية.
وكذلك الشِعر عندما بدأ أنشودة شعبية لتصوير معاني بطولية وإثارة الحماسة حتى بلغ أعلى مراتب الوصف والتعبير في الدراما الإغريقية. وأيضًا الموسيقى التي مارسها الإنسان مع الأديان منذ أقدم العصور إلى أن أفسحت لها الكنائس المسيحية مجالًا واسعًا للسمو بسحرها.
بينما البحث في كل هذه العصور لا ينقطع من أجل التقدم بالحركة وضبط الإيقاع. وتدقيق النسبة التي يتكون منهما العمل الفني، وهذا التقدم هو الدليل على إطراد الاحساس بالنمو الجمالي في الإبداع الفني.
الفنون كلها حلقات متصلة في سلسلة نشاط الإنسان، كل منها يتضمن غيره أو يستعير منه بقدر. وكيف يمكن تأليف بديع المعاني وبلاغة الوصف وموسيقية الأوزان في الشعر -مثلًا- ما لم يكن مصحوبًا بحالة نشاط عقلي أو هرج عاطفي. وهكذا الحال في باقي الفنون.
وانتشر في أوساط الفلاسفة الأوروبيين القول بأن الفن لغة تعبير عن الجمال. والتعبير يختلف من عصر إلى عصر آخر، أما فلسفة التعبير الجمالي فازداد فهمها بعد الإحاطة بقدرات الفنانين وأساليبهم المفضلة واختيارهم المواضيع التي يعبرون بها عن العصر الذي يعيشون فيه بمشاعرهم الذاتية وقوة مخيلتهم المتصورة عند كل منهم .
وبرز المذهب النيوكلاسيكي كرد فعل على طغيان المذهب الرومانتيكي. وجسد نزاعهما النزاع بين العقل والعاطفة؛ فنجد الفنان الرومانتيكي في إنجلترا وألمانيا مندفعًا بعواطفه الثائرة بعنف وحرارة ليصور خلجات النفس ورغباتها. وهو ينادي بأن ما تراه العين لا بد أن يمر بعقله ليخرج من قلبه مشبعًا بأهواء النفس ومشتهياتها.
بينما نجد الفنان النيوكلاسيكي يتحرك بهدوء واتزان ليصور معاني البطولة والمثالية. مناديًا بأن ما تراه عيناه لا بد أن يمر بقلبه ليخرج من عقله مشبعًا بالحكمة والوقار.
لقد اشترك العقل والعاطفة معًا في إعداد وتهيئة الفنان الصادق؛ بين من يميل إلى المواضيع العاطفية من النيوكلاسيكيين في فرنسا وإيطاليا. وبين من يميل إلى المواضيع البطولية المتأثرة بالفنون الكلاسيكية الإغريقية ـ الرومانية.
وفتحت الفنون بواباتها أمام انطلاقة الحضارات الإنسانية إلى عنان الفكر وعوالم الشعور الملهم نحو الآفاق الواسعة للتعبير عن الطبيعة أو ما ورائها بابتكارات لها سماتها المميزة.
“ميزوبوتاميا” هي الأراضي الواقعة على ضفاف نهري دجلة والفرات؛ حيث تأسست حضارات البابليين والآشوريين، وتعرف الآن باسم العراق. وثبت من الآثار والنقوش أن أول من سكن هذه الأراضي هم الكلدانيون من العنصر المغولي. الذين كانوا يستعملون الصور في كتاباتهم ثم استبدلوها بالكتابة المسمارية على ألواح من الطمي.
وتكونت الإمبراطورية البابلية القديمة من حوالي سنة 2100 ق.م. وظلت حتى 730 ق.م. وبنيت خلال هذه الحقبة المعابد، وشيدت القصور والسدود لوقف الفيضان. وكان لعدم وجود الأحجار والأخشاب بكثرة في هذه الأقاليم الأثر الواضح في فنون البابليين والآشوريين فاستعملوا الطمي المجفف والمحروق في تشييد مبانيهم. وكان لهذه المادة أثر في توجيه الفن إلى وجهة جديدة؛ منها بناء العقود المستديرة والسقوف المنحنية والقباب.
ولم يكن الفن المسيحي القديم إلا فنًا رومانيًا في أسلوبه، مسيحيًا في معناه. وهو فن الدولة الرومانية الغربية. بينما كان في الدولة الشرقية فنًا بيزنطيًا؛ حيث ظلت الحضارة البيزنطية حوالي 1000 سنة وكان لها تأثير كبير في الحياة الاجتماعية والثقافية بالإمبراطورية الغربية.
وتحوّل الفن خلال القرون الوسطى إلى الرمزية الشرقية. وذلك بسبب انحطاط الحياة الاجتماعية عند الإغريق وانتهاء الديمقراطية القديمة التي كانت ترتكز على أسس العدالة الإنسانية في تقدير الفرد وتقوية حريته، وإفساح مجال المعرفة وعشق سحر الطبيعة وجمال الفن.


















