تزخر أرض المملكة العربية السعودية بالشواهد التاريخية التي تروي بدايات بزوغ الفجر الإسلامي، وتجسد العمق الحضاري للمنطقة. وفي قلب محافظة الأحساء بالمنطقة الشرقية، يقف “مسجد جواثا” (أو جواثى) كواحد من أقدم وأبرز المعالم الإسلامية في العالم؛ فهو ليس مجرد بناء أثري، بل هو ثاني مسجد أقيمت فيه صلاة الجمعة في الإسلام بعد المسجد النبوي الشريف، مما يمنحه مكانة روحية وتاريخية استثنائية.
قصة التأسيس: إسلام “بني عبد القيس”
يعود تاريخ تشييد المسجد إلى العام السابع للهجرة، عندما بادرت قبيلة بني عبد القيس، التي كانت تستوطن منطقة الأحساء آنذاك، إلى اعتناق الإسلام. فمع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وظهور الدين الجديد، أبدى زعيم القبيلة، المنذر بن عائد (الملقب بالأشج). وعي كبير؛ إذ أرسل رسول إلى مكة للتحقق من دعوة النبوة. وعندما عادت البعثة باليقين، أسلم الأشج وأسلمت معه قبيلته طواعية، ليبادروا فورًا ببناء هذا المسجد التاريخي ليكون مركزًا لعبادتهم.

العمارة كأنموذج لدور العبادة الأولى
مثّل التصميم المعماري لمسجد جواثا النواة الأساسية والهندسة الأولية لشكل دور العبادة في الإسلام. ورغم بساطة البناء، إلا أنه احتوى على العناصر الجوهرية للمسجد الإسلامي، والتي تجسدت في:
-
بيت الصلاة: الذي يتكون من ثلاثة أروقة ممتدة.
-
توجيه القبلة: تمحور الضلع الرئيسي للمسجد بدقة مع اتجاه الكعبة المشرفة.
-
العناصر الروحية: وجود المحراب، إلى جانب بقايا آثار تاريخية تشير إلى مكان المنبر ومركى اليد.

جهود الترميم: الحفاظ على الإرث عبر العصور
نظرًا للقيمة التاريخية الكبرى للمسجد، حظي بعناية فائقة عبر مراحل زمنية متعددة لحمايته من الاندثار. ففي عام 1430هـ/2009م. خضع المسجد لعملية ترميم واسعة ضمن برنامج إعمار المساجد التاريخية. تم خلالها إعادة بناء الأجزاء المنهارة وترميم جدرانه.
واستمرارًا لهذا الاهتمام، أعلن مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية في عام 1444هـ/2022م عن إدراج مسجد جواثا ضمن خطط التطوير الشاملة.
كما جاء هذا الترميم الأخير وفق أحدث الأساليب والمناهج العلمية الفاعلة التي تضمن الحفاظ على الهوية البصرية والتاريخية للموقع. وقد تمت المحافظة على مساحة المسجد الأصلية البالغة 205.5 متر مربع، لتظل طاقته الاستيعابية ثابتة قبل وبعد التطوير بـ 170 مصلّياً.
ويبدو مسجد جواثا التاريخي اليوم كجسرٍ يربط بين الماضي العريق والحاضر المزدهر، وشاهد حي على عمق تجذر الإسلام في الجزيرة العربية منذ عصوره الأولى. إن الحفاظ على هذا المعلم يمثل صون للذاكرة التاريخية للأمة. وتقدير لجيل الأجداد من بني عبد القيس الذين خطوا بأيديهم معالم أولى المساجد خارج المدينة المنورة.



















