كتبت- صبحه بغورة:
لا تعادل فرحة الإنجاب أي فرحة أخرى في حياة كل أسرة، ولا هدف آخر لديها يسمو على رغبتها أن ينمو أبناؤها نموًا طبيعيًا سليمًا، ويكبرون أمام أعين الوالدين أقوياء بدنيًا، أصحاء عقليًا، أسوياء نفسيًا وعصبيًا.
مشاكل الأبناء
ولكن المشاهد هو أنه كلما كبر الأبناء كبرت معهم مشاكلهم، وهنا تبرز مفاجأة أن يواجه الوالدان موقفًا تربويًا حرجًا. وهو أنه كلما ظنوا أن أمنيتهم قاربت التحقيق وجدوا أن الصعاب تكثر والمشاكل تتناسل والمظاهر السلوكية المزعجة تتزايد. وأنه سيكون عليهم وحدهم التفاعل مع ما يختمر في عقول أبنائهم من أفكار. واستيعاب ما يعتمر في نفوسهم من أسرار. ومحاولة تفهم ما يعتريهم من تغيرات سلوكية واحتواء تقلباتهم المزاجية.

ولعل محاولة تقدير طبيعة كل مرحلة سنية يمر بها الطفل والاجتهاد في تفهم سماتها خاصة في مرحلة الطفولة العبثية ثم مرحلة المراهقة الحائرة هي المدخل الواعي لرسم السياسة التفاعلية الإيجابية للتعامل الناضج والواعي وفق طبيعة كل مرحلة.
مساعدة الطفل على ترشيد سلوكه يمر بالضرورة عبر توجيه نشاطه الزائد التوجيه الصحيح، ويجب بداية أن تنطلق بهدف تكوين شخصية سوية من خلال تزويده بمهارات لغة البناء المنظم وإقناعه بها وتجنيبه التأثر بلغة الهدم الفوضوي وتنفيره منها.
ولكن لن يتحقق شيء من هذا ما لم يكن الوالدان قدوة بمعنى أن يهتم الوالدان بأمرهما ويتحكما بعواطفها أولًا وأن ينتبها إلى نفسيهما لحظة الغضب. فقد يفقد المرء قدرته على فهم عمق الأمور إذا سار وفق القواعد التقليدية.
ذلك عندما يستهلك أحد الوالدين أقصى ما يمكنه للتعبير عن غضبه بالصراخ العالي في مرحلة مبكرة جدًا من عمر الطفل. وهذه المبالغة في التعبير عن الغضب تعطيه بمرور الوقت اطمئنانًا بأن سقف الغضب لن يتجاوز ما سبق واعتاد عليه، خاصة إذا لم ينل عقابًا بحجم خطئه.
ومن الوالدين من يلجأ دائمًا إلى لغة التهديد العقيم كأسلوب لضمان استمرار الحصول على الطاعة، ويحصل أن يتعلم الطفل تجاهل هذه التهديدات التي تطلق في ثورة الغضب، ويتعلم ألا ينصت إليها لأنها غير إيجابية.

وقد يبلغ الأمر درجة أسوأ عندما يركز الطفل على شكل الغضب وطريقة التعبير عنه. وينسى الخطأ الذي ارتكبه. وهنا سنرى كيف أن مربع الأزمة قد استطال. هذا بالرغم من أن الطفل يشعر مبكرًا بانزعاج والديه منه مهما حاولا أن يخفياه عنه.
وفي مثل هذه الحالة تفقد الأسرة سيطرتها على ضبط الطريقة التي تعبر فيها عن مشاعرها بل وتصبح الحياة مرادفًا للمعاناة.
وإذا كانت الأجواء الأسرية صاخبة وترعرع الطفل في وسط عائلي كل من فيه يصرخ فإن ذلك يقوض عملية تعليم الطفل نفسه ومراجعة أمره من جهة.
كيفية تعامل الوالدين
ومن جهة أخرى، فإن تقويم سلوك الوالدين سيكون شديد الصعوبة؛ إذ يستحيل أن يتراجع أحدهما ويلتزم بأن لا يغضب أبدًا حتى وإن أقسم على ذلك.
وعليه لابد من الاعتراف بأن المشكلة الأهم تتمثل في كيفية تعامل الوالدين مع مشاعرهما لحظة الغضب، فأمام فوضوية الطفل علينا أن نغير طريقة التعبير عن الغضب. ولو كان تصرفه مستفزًا. ولكن دون أي كلمة تجرحه. وذلك بتهدئة الأعصاب أولًا لاستلهام الطريقة الجيدة مع الموقف؛ إذ بالتعامل الهادئ ستكون هناك فرصة للطفل لفهم على الأقل ما يقوله الوالدان.
مبدأ التوافق بين الوالدين حيوي ومهم في تربية الأطفال وتنشئتهم التنشئة السليمة، ومن ذلك أن يتفقا على نفس النظام والسيرة التربوية التي يجب أن تتبع، وأن يشكلا جبهة واحدة ضد السلوك السيئ.
فلا يجوز أن تبدي الأم مثلًا ليونة مفرطة أو تسامحًا غير مبرر في أمر يتعلق بالانضباط. لتناقض كليًا موقف سابق للأب في الموضوع نفسه.
لابد من تبادل الأفكار بين الزوجين والاتفاق على الكيفية التربوية السليمة للتصدي للسلوك الفوضوي للأبناء. فما أتعس الوالدين إذا فتحت في حصون توافقهما ثغرة يلج منها الطفل ليلوذ بفعلته من عقاب أحدهما إلى حماية الآخر.
<p>والغريب أن اليد التي تفتح هذه الثغرة المدمرة لمستقبل كيان الأسرة ليست يد أجنبية من خارج الأسرة بل للأسف هي يد أحد الوالدين.
يجب الاعتراف بأن الأم تتحمل أغلب الوقت متاعب كبيرة في تربية أبنائها. وكثيرًا ما تحاول أن تتسلح بالصبر والهدوء في مواجهة المواقف التي يمكن أن تثير أعصابها وتفجر غيظها.
ولعل وضع قواعد سلوكية للأطفال من أهم مهام الوالدين وأصعبها في نفس الوقت. لأن المتوقع أن يقاوم الطفل كثيرًا كي يؤكد استقلاليته.

ولكن في النهاية سوف يدفعه حبه لوالديه ورغبته في الحصول على رضاهما إلى تقبل هذه القواعد. وحينها سيكونان المرشد الداخلي الخاص به وضميره الذي سيوجهه في حياته.
وعندما يدخل النظام حياة الطفل ستتوقف معاناة الوالدين وستحل الطمأنينة وتهدأ الأعصاب. وحتى يتم استثمار هذا الوضع على الوالدين التحلي بالسيطرة والحسم. وليس بالقسوة والإنزعاج والتذبذب في إصدار القرارات التي تحدث نوبات غضب وتوتر للطفل.
<p>وعليهما أن يستبعدا العقاب الجسدي فهو قد يجعله يتوقف عن إثارة المشاكل في التو، ولكن تهذيبه لن يتحقق لو على المدى الطويل.
والعقاب الجسدي لا يؤلم فقط، بل يؤذي الطفل نفسيًا ويجعله مستاءً ومتوترًا. لأنه لم يفهم بعد سبب غضب والديه عليه بل قد يكون لم يفهم أصلًا الخطأ الذي وقع فيه.
التعامل مع الطفل الفوضوي
وعليه لابد أن يدرك الوالدان أن صغيرهما قادر على فهم معنى كلمة “لا” قبل أن يتعلم كلمة “لماذا”. وهذا يعني أن على الأم النظر إلى الأحداث من مستوى تفكير الطفل. فلا جدوى مثلًا من مناقشته لأجل تنظيم اللعب. بل لابد من التفكير في طريقة تجعله يحب التنظيم. ولكن كيف ذلك؟
-
-
- بداية بنقل قواعد النظام بشكل غير مباشر، ثم محاولة دفعه للسلوك الإيجابي من خلال جمل قصيرة ذات طلب محدد. وليس بإلقاء الأوامر طوال اليوم التي تولد المقاومة لدى الطفل. مثلًا بدلًا من القول “كن جيدًا”ـ أو “أحسن سلوكك ولا ترمي الكتب”، نوجهه بأن الكتب مكانها الرف.
<li
-
> عندما نعطي الطفل سببًا منطقيًا لتعاونه فإنه سيستجيب أكثر، وبدلًا من إعطائه أمرًا بجمع ألعابه ننبهه بضرورة إعادتها إلى مكانها بالترتيب حتى لا تضيع أجزاء منها أو تتكسر
- . وبذلك تتحول المهمة إلى لعبة.
- توجيه التعليق إلى سلوكه وليس لشخصه كعدم وصفه بالغباء والكسل الذي يجرح احترامه لذاته. وتوضيح أن ما فعله ليس مقبولًا مع حسن اختيار الكلمات المعبرة عن الغضب وتوضيح مدى الإحساس بالأسى والحزن. بدلًا من سرد طباعه السيئة. فالأطفال عمومًا يكونون أكثر استعدادًا للتعاون عندما يسمعون عبارات مدح حيادية وليس انتقادات موجهة لهم شخصيًا.
- ينظر الطفل إلى الحياة على أنها لعبة كبيرة، لذا؛ يمكن إضافة المرح لتقريب المسافة بين المقاومة والطاعة. فالطفل يتعلم من والديه التصرفات السليمة التي يسلكانها. فإذا تباطأ في الخروج إلى المدرسة يسير أحد الوالدين أمامه بالخطوة العسكرية السريعة نحو باب المنزل لتشجيعه على التقليد.
- من الطبيعي بالنسبة للطفل أن يتمنى امتلاك كل اللعب في محل بيع الألعاب. وبدلًا من زجره ووصفه بالطماع نخيره لشراء لعبة واحدة، وأن تكون الأخرى له في المرة القادمة.
- الاهتمام بغرفة الطفل وتجديدها بأفكار تضفي المرح والحيوية، وإشراكه في تنسيق بعض الإكسسوارات البسيطة إلى جانب الكتب بالمكتبة. وجعله يختار ما يروقه من صور العائلة أو صور أجمل الذكريات التي مرت عليه لوضعها على طاولة صغيرة قريبة من سريره بالترتيب الذي يراه مناسبًا. فذلك ينمي لديه مهارة التنظيم والانتماء للعائلة.
- على الوالدين أن يحددا فيما بينهما المسائل المهمة. ثم تلك الأقل في الأهمية، والاتفاق على أنه ليس كل ما يطلبانه من طفلهما يستحق الجدال والمناقشة والغضب والتوتر ويمكنهما إعداد قائمتين. الأولى تتعلق بالأسس التربوية التي لا تقبل المناقشة، والثانية تتعلق بالمسائل التي يمكن مراجعتها وتعديلها وتكييفها. كإصرار الطفل على ارتداء لباس معين، أو اختياره نوع طعام يفضله قد يثير ثورته برغم بساطة الأمر. ولكن مع الوقت إذا عرف الطفل أن هناك أسس قابلة للتفاوض وأخرى غير قابلة سيتقبل الأمر بسهولة. وسيتمتع في الوقت نفسه بقدر من الحرية ستساعده على المدى البعيد في تعميق إحساسه بالمسؤولية.
- الطفل يكبر ويتعلم، يخطئ ويصحح خطأه، وهو لا يسير دائمًا. كما يرغب تمامًا الوالدان. دون أي خطأ لذا؛ يجب شرح كل شيء له بالتفصيل ليتفهم الأمور ويتحمل المسؤولية. والمهم مراعاة مسألة تحديد مستوى التعامل معه برفق ولين. وتشجيعه دائمًا على السلوك الإيجابي ومدحه في كل مرة. لأن ذلك سيرغبه في فعله ثانية. الأمر الذي يجعله محبوبًا من كل الناس.











