هل ألهمت الحروب سبل التقدم الطبي

كان قديمًا مجرد إخلاء جندي مصاب من أرض المعركة إلى أقرب مستشفى عملية شاقة؛ لأنها تتطلب عربات تجرها الخيول. أو على ظهر بغال تحمل على جانبيها سلالًا ينقل في داخلها الجنود المصابون إلى محطة القطار تحت وابل المطر. دونما أي غطاء ليوضعوا ممدين فوق قش عربات نقل الماشية بلا ضمادات ولا ماء ولا طعام.

الطب الفارق بين الحياة والموت

أحاطت هذه الظروف السيئة بالكثير من معارك الحرب العالمية الأولى التي امتدت إلى فرنسا ومنها معركة “مارين” بداية سبتمبر 1915. التي خلفت ألفًا من الجنود الفرنسيين المصابين كانوا ممدين في حالة إهمال شديد فوق القش في إحدى القرى بالقرب من بلدة “ميو”. حيث المستشفى العسكري الأمريكي وهي منشأة أعيد تجهيزها من بناء مدرسة لتصبح مستشفى وهذا ما حدا بالسفير الأمريكي “ميرون هيرك” لدعوة أصدقائه مالكي السيارات لنجدتهم. فمهّد بذلك الطريق لنشوء فرق الإسعاف، وصنعت هذه النجدة الفارق بين بتر الأعضاء وشفائها وبين الحياة والموت.

الطب وإصلاح ما هتكته المدافع

لقد حقق الطب في الحرب العالمية الأولى تقدمًا ملحوظًا في عدد من المجالات. فبينما قدرت الوفيات في هذه الحرب بـ 10 ملايين في صفوف الجنود فقد بلغ عدد الجرحى ما يكفي ليتعلم الأطباء ما يمكن لزيادة فرص المصابين في النجاة. حيث تم الانتقال من بتر الأعضاء كحل وحيد آنذاك  إلى القدرة على نقل الجنود إلى المستشفى لعلاج جراحهم الملتهبة وإجراء العمليات الجراحية عليها. ومن عمق المعاناة برزت في عالم الطب عناصر وأدوات جراحية نعدها اليوم من المسلمات.

المعقمات ومواد التخدير لمقاومة الموت

لقد عاش الجنود في قذارة الخنادق، فإذا ما جرحوا تلوثت جراحهم على الفور، وبشهادة جراحين فرنسيين حوالي 70% من حالات البتر كانت بسبب الأنتان وليس بسبب الإصابة الأولى، ولقد توفي كل من أُصيب بجروح عميقة في البطن نتيجة الصدمة والأنتان، ويذكر الجراح الفرنسي تيودور توفيير أنه أجرى في خمس عشرة مناسبة عمليات جراحة البطن العميقة انتهت جميعها بالفشل، فتخلى الجراحون عن أية محاولة لعلاج جراح البطن العميقة؛ لأنها كانت منتنة والمعقمات لم تكن جيدة.

كتب الطبيب المتطوع جورج كريل من مشفى ليكسايد في كليفلاند في شهر يناير 1915 أن 300.000 جندي فرنسي تعرضوا للإصابة خلال المراحل الأولى للحرب ولندرة الجراحين المتمرسين حينها أجرى عدد كبير من عمليات البتر التي لم يكن لها داع، لقد كانت المعضلة الأساسية هي افتقار الأطباء إلى المطهرات الفعاّلة لقتل الجراثيم سريعة الانتشار والتي تسبب موتًا سريعًا للخلايا بغرغرينا الغاز.

تجارب لاقت الإعجاب

كان العون في طريقه من “مؤسسة روكفلر للبحث الطبي” في نيويورك بعدما التحق الطبيب الفرنسي ألكسيس كارل. الذي كان يعمل في هذه المؤسسة قبل الحرب بالجيش الفرنسي. الذي قدم لها قصرًا مهجورًا في الريف بالقرب من جبهة القتال لتحويله إلى مستشفى عسكري.

وكان قد طلب جهاز أشعة ومخابر للتحاليل، لكن الخدمات الصحية الفرنسية رفضت إعطاءه ذلك. فاتجه إلى مؤسسة روكفلر التي وافقت على إعطائه المعدات. الأهم أنها بعثت له بعالم الكيمياء الحيوية البريطاني هنري ديكن الذي طوّر محلول “هيبو كلوريد الصوديوم” الذي قتل البكتيريا الخطرة ولم يحرق اللحم. أخذ كارل المطهر الجديد وأصر على فتح الجروح لتنظيفها بعمق. وفيما بعد اعتنق هذه التقنية التي عرفت بـ “نهج كارل وديكن” ــ الأطباء على امتداد أوروبا خلال الحرب.

في تلك الفترة كان جورج كريل في مستشفى الإسعاف الأمريكي يقدم للأطباء طريقة في التخدير. سبق أن طورها مع الممرضة أغاثا هودجنز في كليفلاند. وفي عام  1915 بدأت مجموعة ليكسايدتجوب لتقديم عرض جراحي مستخدما مزيجًا من الأكسجين وأكسيد النتروجين. بكمية تسمح للمريض بالنوم دون إدخاله في حالة صدمة، أثارت التجربة التعجب ثم لقيت الإعجاب فقد كانت النتيجة باعثة على السرور.

أنقذت مواد التخدبر حياة الكثيرين حالما وصلوا إلى المستشفيات ولكن بدون سيارات اسعاف وقطارات المشافي. لم يكن أمام الجنود فرصة للنجاة، ومنذ الإنقاذ العاجل للجنود من “ميو” تمت خدمات الإسعاف الأمريكي لتصل إلى 100 سيارة إسعاف. وتبرعت شركة “فورد” للسيارات بعشر نماذج لتحويلها إلى سيارات.

الرابط المختصر :