في موسم الشتاء تزدهر البراري وتجود بكل ما ينفع الناس والحيوانات من ثمر وشجر وعشب يبهج القلب، ويشرح الصدر والإنسان السعودي رغم اضطراره لعشق المدن بسبب رزقه ورزق أولاده إلا أنه يحن إلى البراري و الكثبان الرملية، والروضة الخضراء المملوءة بالأشجار الكثيفة التي تحجب الشمس بظلالها.
وكذلك وديانه ومفرده غدير ومعناه مكان تجمع الماء؛ حيث يجتمع ماء المطر ويشكل بحيرات تتفاوت أحجامها، وتظل لفترة طويلة قد تصل إلى أكثر من خمسة أشهر تشرب منها الحيوانات والطيور، وينتفع منها أيضًا الناس في غسل ملابسهم أو أدوات الطبخ لديهم عندما يدخل فصل الربيع، وتخضر الأرض يبدأ موسم الكشتات ومفردها كشتة.

النوع الخاص من الكشتة
وتعني الرحلة العائلية، والكشتات نوعان، نوع خاص ونوع عام. النوع الخاص هي أن تخرج الكشتة أو الرحلة باسم شخص واحد أو عائلة واحدة أو بيت واحد. حيث تتولى هذه الأسرة صاحبة هذا البيت كل المستلزمات الخاصة بالرحلة مثل الماء والخبز والذبائح والخيام والمواصلات بأنواعها الصغيرة والكبيرة.
ثم تقوم هذه الأسرة بتوجيه الدعوة إلى من تحب من العائلة والجيران والأصدقاء وأهل الفريج أو أهل الحي. كما أنه جرت العادة أن يحضر هؤلاء المعازيم معهم بعض الفواكه الموسمية إذا وجدت. بالإضافة إلى طبخ وإعداد بعض الأكلات الشعبية مثل التي تؤكل على الفطار كالبلاليط والخبيص.
والنشاء والعصيد واللقيمات والخمفروش وهي معجنات مخلوطة بماء الورد والزعفران والهيل والسمن البلدي الطيب. وذلك لتقديمها إلى المجموعة كوجبة إفطار.. وتصبيرة حتى وقت الغداء، الذي يكون عادة من اللحم السمين والعيش ويسمى طباخ ضيفه.

وبعد الغداء يتفرق الناس الرجال لوحدهم والنساء لوحدهن ويذهبون لاكتشاف البراري، وأخذ كل ما يصلح لهم مثل الفقع. أو بعض الأعشاب مثل الحوى والقلمان والفوطن والخبيز والحميض والنبج.
ومنهم من يجمع بعضًا من الحطب اليابس أو يحش بعض الأعشاب البرية مثل العرفج أو الصخبر وهي أعشاب تعطى للحيوانات للتسمين وادرار الحليب. والبعض الآخر يهوى جمع بعض الأعشاب الطبية مثل الحرمل أو اليعد أو نبات الحنظل.
بينما بعض الشباب يذهب لاصطياد بعض الطيور والعصافير الكثيرة والموجودة هناك بواسطة الفخاخ. أشياء كثيرة خلقها الله سبحانه وتعالى للناس في البر سواء لغذائهم أو علاجهم أو لحيواناتهم. ويستمر التمتع بالبراري حتى بعد صلاة العصر بعدها يبدؤون في جمع أشيائهم ورفعها إلى السيارات استعدادًا للعودة من كشتة البر حاملين معهم ذكريات لا تنسى.
النوع العام من الكشتات
أما النوع الثاني من الكشتات فيتم بشكل اشتراكي جماعي؛ حيث تتفق مجموعة من الأسر أو الجيران على القيام برحلة أو كما يطلقون عليها كشتة ويدفع كل منهم مبلغًا معينًا من المال يكفي لتأجير السيارات وشراء بعض الأشياء المهمة للرحلة من أكل وزاد وخلافه ثم توزع المهام على ربات الأسر المشاركات في الرحلة.

وكذلك الأشياء التي يودون صنعها في البيت من أكلات شعبية وحلويات، وبعدها يبدأ الاستعداد للرحلة بعد أن يختاروا المكان المناسب لرحلتهم ويظل الناس صغيرًا وكبيرًا يترقبون صباح يوم الجمعة؛ حيث يجتمعون أمام أحد المنازل رجالًا ونساءً وأطفالًا من الصباح الباكر وهم فرحون مستبشرون بهذا اليوم وكلهم نشاط وحيوية ثم تأتي السيارات المؤجرة الخاصة بنقل العائلات، وتقف في طابور انتظارا للركوب ثم الانطلاق، وبعد أن يتم ترتيب كل شيء ورفع كل شيء من أدوات المطبخ وخيام وحطب وسجاد وماء.. تنطلق القافلة في موكب يشع منه الحب والألفة والصفاء.. وكانت الناس تذهب في الماضي إلى أماكن مختلفة على خريطة السعودية.
وبعد أن تصل المجموعة تنتشر لإعداد وتجهيز المكان وكأنها خلية نحل فكلها قوة ونشاط وحب في قضاء وقت يخلد ذكراه لديهم ويتسامرون بموقفه ومفارقاته في لياليهم ومجالسهم الممتعة.
















