موجات الحرارة أم البرد؟ أيهما يحصد أرواحًا أكثر؟

عندما ترتفع درجات الحرارة خلال الصيف، تمتلئ نشرات الأخبار والتحذيرات الصحية بالحديث عن الحرارة القاتلة ومخاطر موجات الحر. فيما يبدو البرد في الشتاء بالنسبة إلى كثيرين جزءً معتادًا من الحياة اليومية. لكن أيهما يتسبب في وفيات أكثر، الحر أم البرد؟

قد يبدو الجواب بديهيًا في ظل تزايد موجات الحر القياسية حول العالم، لكن الدراسات التي تناولت العلاقة بين درجات الحرارة والوفيات ترسم صورة أكثر تعقيدًا. فالحرارة الشديدة تمثل خطرًا مباشرًا وسريعًا، في حين أن البرد، حتى عندما لا يكون قارسًا، قد يترك أثره الصحي على مدى فترات طويلة.

جسم الإنسان وحدود التكيف

يحافظ جسم الإنسان في الظروف الطبيعية على درجة حرارة داخلية تقارب 37 درجة مئوية، ويعتمد على مجموعة من الآليات لتنظيم حرارته. لكن عندما ترتفع أو تنخفض درجة حرارة البيئة إلى مستويات بعيدة عن نطاق الراحة، يبدأ الجسم ببذل جهد إضافي للحفاظ على توازنه.

وفي حالات الحر الشديد، يحاول الجسم التخلص من الحرارة من خلال زيادة تدفق الدم إلى الجلد والتعرق. لكن إذا ارتفعت الحرارة والرطوبة إلى مستويات تجعل هذه الآليات غير كافية. فقد ترتفع حرارة الجسم بصورة خطرة، ما يزيد الضغط على القلب والدورة الدموية وأعضاء أخرى.

أما في الأجواء الباردة، فيعمل الجسم على الحفاظ على حرارته عبر تقليل فقدان الحرارة، ومن بين الاستجابات انقباض الأوعية الدموية. لكن هذه الاستجابة قد تزيد العبء على الجهاز القلبي الوعائي، خصوصًا لدى كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.

Story pin image

موجات حر استثنائية

شهد العالم خلال العقود الماضية موجات حر استثنائية تركت آثارًا صحية وإنسانية كبيرة. وتبقى موجة الحر الأوروبية عام 2003 واحدة من أبرز الأمثلة، بعدما سجلت دول أوروبية درجات حرارة مرتفعة بصورة غير مسبوقة، وارتبطت بعشرات الآلاف من الوفيات الإضافية.

كما شهدت مناطق مختلفة من العالم موجات حر تجاوزت خلالها درجات الحرارة 45 و50 درجة مئوية. في وقت أصبحت فيه الأرقام القياسية للحرارة أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة.

ولا تقتصر خطورة الحرارة على ضربة الشمس فقط، إذ يمكن أن تؤثر في عدد كبير من أجهزة الجسم. فقد تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى الجفاف والإجهاد الحراري. كما تزيد العبء على القلب والكلى والجهاز التنفسي، وقد تؤدي إلى تفاقم أمراض موجودة أساسًا.

ولهذا، فإن بعض الوفيات المرتبطة بالحرارة لا تسجل بالضرورة تحت مسمى الوفاة بسبب الحر. بل قد تظهر على شكل نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو فشل في أحد الأعضاء لدى شخص كانت الحرارة عاملًا ساهم في تدهور حالته.

البرد.. الخطر الأقل صخبًا

في المقابل، قد يكون تأثير البرد أقل وضوحًا في الأخبار، لكنه لا يقل أهمية من الناحية الصحية. فالتعرض المباشر لدرجات الحرارة المنخفضة جدًا يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حرارة الجسم وقضمة الصقيع. وقد يصبح مهددًا للحياة في حالات التعرض الشديد.

لكن الجزء الأكبر من تأثير الطقس البارد لا يرتبط دائمًا بحالات التجمد الشديد. فالبرودة يمكن أن تؤثر في الجسم بصورة غير مباشرة، من خلال زيادة الضغط على القلب والأوعية الدموية.

عندما تنخفض درجات الحرارة، تميل الأوعية الدموية إلى الانقباض، ما قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وزيادة العبء على القلب. كما قد تتزامن فترات الشتاء مع ارتفاع انتشار بعض الأمراض التنفسية. وهو ما قد يشكل خطرًا أكبر على كبار السن والأشخاص الأكثر هشاشة من الناحية الصحية.

ليس البرد القارس وحده المشكلة

المفاجأة التي كشفت عنها دراسات واسعة تناولت العلاقة بين درجات الحرارة والوفيات هي أن العدد الأكبر من الوفيات المرتبطة بالحرارة أو البرودة لا يحدث بالضرورة خلال الأيام التي تسجل أرقامًا قياسية.

فالبرد المعتدل، عندما يستمر ويتكرر على مدى أسابيع أو أشهر، قد يؤثر في عدد كبير من السكان. وهنا يكمن الفرق بين موجة حر شديدة تستمر عدة أيام، وفترة طويلة من الطقس البارد نسبيًا.

يمكن لموجة الحر أن تكون حدثًا قصيرًا لكنه شديد التأثير، بينما قد يؤدي التعرض المتكرر لدرجات حرارة منخفضة أو أقل من المستوى المثالي إلى زيادة تدريجية في مخاطر أمراض القلب والجهاز التنفسي وغيرها من المشكلات الصحية.

ولهذا يستخدم الباحثون مفهوم الوفيات المنسوبة إلى درجة الحرارة، وهو مفهوم لا يقتصر على الوفيات التي تحدث خلال موجات الحر أو البرد القارس فقط، بل يشمل التأثير الصحي لدرجات الحرارة المختلفة مقارنة بالمستوى الذي يكون فيه خطر الوفاة في أدنى مستوياته.

إذن.. أيهما يقتل أكثر؟

وفقًا لعدد من الدراسات واسعة النطاق التي حللت بيانات ملايين الوفيات في بلدان ومناطق مختلفة، لا يزال البرد، إجمالًا، مرتبطًا بعدد أكبر من الوفيات مقارنة بالحرارة في كثير من الإحصاءات التاريخية.

لكن هذه النتيجة لا تعني أن موجات الحر أقل خطورة أو أنها لم تعد مصدرًا متزايدًا للقلق فالفرق يكمن في طبيعة الخطر. البرد قد يكون أقل درامية في لحظة معينة، لكنه يمتد غالبًا لفترة أطول ويؤثر في أعداد كبيرة من الناس.

أما موجات الحر الشديدة، فقد تؤدي إلى ارتفاع سريع في الوفيات خلال أيام قليلة، خصوصًا عندما تضرب مناطق غير مهيأة للتعامل مع درجات حرارة مرتفعة.

بعبارة أخرى، يمكن أن يتسبب خطر معتدل يتكرر يومًا بعد يوم في حصيلة كبيرة. تمامًا كما يمكن لحدث شديد وقصير أن يؤدي إلى عدد كبير من الوفيات خلال فترة محدودة.

Story pin image

تغير المناخ يغير المعادلة

رغم أن البرد كان تاريخيًا مرتبطًا بحصيلة أعلى من الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة في العديد من الدراسات، فإن تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا.

فموجات الحر أصبحت في مناطق كثيرة أكثر تكرارًا وطولًا وشدة، ما يرفع من المخاطر الصحية. خاصةً في المدن المكتظة بالسكان والمناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية أو محدودية الوصول إلى التبريد والرعاية الصحية.

ولهذا بدأت مدن حول العالم في تطوير استراتيجيات للتكيف مع الحرارة. مثل زيادة المساحات الخضراء وزراعة الأشجار وإنشاء مراكز أو مناطق مخصصة للتبريد. وتحسين تصميم المباني وعزلها، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر والتحذيرات الصحية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل مخاطر البرد، إذ تعتمد القدرة على مواجهته أيضًا على عوامل اجتماعية واقتصادية. مثل جودة السكن، وتوفر التدفئة، والوصول إلى الرعاية الصحية.

الخطر ليس مجرد رقم على مقياس الحرارة

إن الخطر لا يعتمد فقط على مدى ارتفاع أو انخفاض الرقم الذي يظهر في تطبيق الطقس. فالسن، والحالة الصحية، ونوعية السكن، والرطوبة، ومدة التعرض، وقدرة الجسم على التكيف، كلها عوامل تؤثر في مستوى الخطر.

This may contain: a man drinking water from a bottle at sunset

وقد تكون درجة حرارة معينة محتملة بالنسبة إلى شخص سليم يعيش في منزل مجهز جيدًا. لكنها خطيرة على شخص مسن أو مريض أو يعيش في ظروف لا توفر الحماية الكافية.

كما أن التأثيرات الصحية للحرارة والبرد قد تكون غير مباشرة، وهو ما يجعل قياسها أكثر تعقيدًا من مجرد عدّ حالات ضربة الشمس أو انخفاض حرارة الجسم.

بين حر الصيف وبرد الشتاء

لا توجد إجابة بسيطة يمكن اختصارها في أن أحدهما «أخطر» من الآخر في كل مكان وزمان. إذ أن البيانات تختلف بحسب الدولة والمناخ والسكان ومستوى الرعاية الصحية والظروف الاجتماعية.

لكن الصورة العامة التي قدمتها الدراسات حتى الآن تشير إلى أن البرد ارتبط تاريخيًا بحصيلة أكبر من الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة، في حين تتزايد المخاطر المرتبطة بالحرارة مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتكرار موجات الحر الشديدة.

يف يمكن حماية الناس من درجات الحرارة التي تتجاوز قدرة أجسامهم ومجتمعاتهم على التكيف؟

ومع استمرار تغير المناخ وتحطيم الأرقام القياسية للحرارة، يصبح الاستعداد لموجات الحر، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتحسين المدن والمساكن وأنظمة الإنذار الصحي، جزءًا أساسيًا من مواجهة المخاطر المستقبلية.

الرابط المختصر :