قد يتحول تناول وجبة عادية، أو لحظة لعب لطفل صغير، إلى حالة طارئة خلال ثوانٍ، فجسم صغير أو قطعة طعام قد تعلق في مجرى الهواء وتمنع وصول الأكسجين إلى الرئتين، لتصبح سرعة التصرف عاملًا حاسمًا في إنقاذ الحياة.
ومن بين أشهر تقنيات الإسعافات الأولية المستخدمة في مثل هذه الحالات، تبرز مناورة هيمليك، أو ما يعرف طبيًا بالضغطات البطنية. باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن أن تساعد على إزالة الجسم العالق من مجرى الهواء لدى الشخص الواعي المصاب بالاختناق الشديد.
لكن هذه المناورة، التي يعرفها كثيرون باسم مبتكرها الطبيب الأمريكي هنري هيمليك، ليست إجراءً يصلح لكل حالات الاختناق أو لجميع الأعمار. كما أن الطريقة الصحيحة للتعامل مع المصاب تختلف بين البالغ والطفل والرضيع والمرأة الحامل.
لذلك، فإن معرفة متى وكيف تستخدم، ومتى يجب تجنبها، قد تكون معلومة ضرورية في موقف لا يمنح الموجودين سوى دقائق أو حتى ثوانٍ لاتخاذ القرار.

عندما يتحول الطعام إلى خطر
يحدث الاختناق عندما يسد جسم غريب، مثل قطعة من الطعام أو لعبة صغيرة أو أي جسم آخر، مجرى الهواء بصورة تمنع الشخص من التنفس بشكل طبيعي. ويشكل الاختناق خطرًا مباشرًا على الحياة، لأن استمرار انسداد مجرى الهواء يمنع وصول الأكسجين إلى الدماغ وبقية أعضاء الجسم.
وقد تظهر على المصاب علامات واضحة، من بينها عدم القدرة على الكلام أو التنفس، أو السعال غير الفعال. أو إصدار أصوات ضعيفة عند محاولة التنفس، إلى جانب ظهور علامات الذعر والإمساك بالحلق، وهو التصرف المعروف عالميًا كإشارة إلى الاختناق.
لكن وجود السعال لا يعني دائمًا ضرورة التدخل المباشر. فإذا كان الشخص قادرًا على السعال بقوة أو الكلام أو التنفس. فمن الأفضل تشجيعه على الاستمرار في السعال. لأن السعال القوي قد يكون قادرًا على إخراج الجسم العالق بصورة طبيعية.
أما عندما يصبح المصاب عاجزًا عن الكلام أو التنفس أو السعال بفاعلية. فإن الحالة تتحول إلى طارئ يستدعي تقديم الإسعافات الأولية وطلب المساعدة الطبية.

من هو هنري هيمليك؟
ارتبط اسم المناورة بالطبيب والجراح الأمريكي “هنري جاي هيمليك”، الذي اشتهر بأبحاثه في جراحة الصدر وابتكاراته الطبية. وفي أوائل سبعينيات القرن الماضي، بدأ هيمليك البحث عن وسيلة بسيطة يمكن استخدامها لمساعدة الأشخاص الذين يتعرضون للاختناق بسبب انسداد مجرى الهواء بجسم غريب.
وكانت المشكلة التي حاول إيجاد حل لها تتمثل في الحاجة إلى إجراء إسعافي سريع يمكن تطبيقه قبل وصول المصاب إلى المستشفى. ودون الحاجة إلى أدوات أو معدات طبية معقدة.

وفي عام 1974، نشر هيمليك وصفًا لتقنية تعتمد على استخدام الضغط المفاجئ على منطقة البطن لدفع الهواء المتبقي داخل الرئتين إلى أعلى. على أمل أن يساعد تدفق الهواء في طرد الجسم العالق من مجرى التنفس.
وأصبحت هذه التقنية تعرف لاحقًا باسم مناورة هيمليك، وانتشرت على نطاق واسع بوصفها إحدى أشهر وسائل الإسعافات الأولية لحالات الاختناق.
الفكرة وراء المناورة
تعتمد المناورة على مبدأ بسيط، يوجد داخل الرئتين قدر من الهواء يمكن الاستفادة منه لإنتاج دفعة هوائية قوية باتجاه مجرى التنفس.
فعند تطبيق ضغطات سريعة على منطقة البطن باتجاه الداخل والأعلى، يرتفع الحجاب الحاجز. ما يؤدي إلى زيادة الضغط داخل الصدر ودفع الهواء إلى الخارج عبر القصبة الهوائية. وقد تساعد هذه القوة على طرد الجسم العالق الذي يمنع مرور الهواء.
ولهذا السبب، لا تستخدم المناورة مع كل شخص يسعل أو يشعر بأن شيئًا عالق في حلقه، وإنما في حالات الاختناق الشديد التي يصبح فيها الشخص غير قادر على التنفس أو الكلام بصورة فعالة.

كيف يتم التعامل مع شخص بالغ أو طفل واعٍ؟
في حالات الاختناق الشديد لدى البالغين والأطفال الذين تزيد أعمارهم على عام، ينصح أولاً بطلب المساعدة الطبية الطارئة أو تكليف شخص آخر بالاتصال بها، مع البدء في تقديم الإسعافات الأولية فورًا.
وتتضمن الطريقة المتبعة في الإرشادات الحديثة تقديم ضربات على الظهر وضغطات بطنية بصورة متبادلة. يقف المنقذ خلف الشخص المصاب، مع دعم جسمه وإمالته إلى الأمام. ثم يوجه خمس ضربات منفصلة وقوية نسبيًا بين لوحي الكتف باستخدام أسفل راحة اليد.


وإذا لم يخرج الجسم العالق، ينتقل إلى الضغطات البطنية، فيقف خلف المصاب ويضع ذراعيه حول خصره. ثم يضع قبضة إحدى اليدين فوق السرة وأسفل القفص الصدري، ويمسك القبضة باليد الأخرى، قبل تنفيذ ضغطات سريعة إلى الداخل وإلى الأعلى.
ويستمر التناوب بين الضربات على الظهر والضغطات البطنية إلى أن يخرج الجسم العالق أو يصل فريق الطوارئ أو يفقد المصاب وعيه.
ومن المهم عدم وضع اليدين على عظام القفص الصدري أو الضغط على السرة نفسها. لأن موضع الضغط وطريقته عنصران مهمان لتقليل خطر الإصابة.

ماذا لو فقد الشخص وعيه؟
إذا فقد المصاب وعيه، لا ينبغي الاستمرار في الضغطات البطنية وهو واقف. في هذه الحالة، يوضع المصاب على سطح مستوٍ، ويبدأ الإنعاش القلبي الرئوي وفق الخطوات الموصى بها، مع طلب المساعدة الطارئة.
ويجب فحص الفم بحثًا عن الجسم الغريب إذا كان مرئيًا بوضوح، لكن لا ينبغي إدخال الأصابع عشوائيًا داخل الفم بحثًا عن الجسم. لأن ذلك قد يؤدي إلى دفعه إلى عمق أكبر داخل مجرى الهواء.
وتساعد الضغطات الصدرية المستخدمة في الإنعاش القلبي الرئوي أحيانًا على تحريك الجسم العالق. إلى جانب الحفاظ على تدفق الدم إلى الأعضاء الحيوية إلى حين وصول المساعدة المتخصصة.
الرضيع.. طريقة مختلفة تمامًا
من الأخطاء الخطيرة محاولة تطبيق مناورة هيمليك بالطريقة نفسها على الرضع الذين تقل أعمارهم عن عام. فالرضيع يحتاج إلى طريقة مختلفة بسبب صغر جسمه وحساسية أعضائه الداخلية. وعند تعرض رضيع للاختناق الشديد، يتم وضعه بطريقة آمنة بحيث يكون الرأس أخفض من مستوى الجسم. ثم تعطى خمس ضربات على الظهر بين لوحي الكتف باستخدام أسفل راحة اليد.
وإذا لم يزُل الانسداد، يقلب الرضيع بحذر إلى وضعية أخرى مع إبقاء الرأس في مستوى منخفض. ثم تنفذ خمس ضغطات صدرية باستخدام إصبعين في الموضع المناسب من عظمة الصدر.
ويستمر التناوب بين ضربات الظهر والضغطات الصدرية إلى أن يخرج الجسم أو يصل فريق الطوارئ أو يفقد الرضيع وعيه. وعندها تبدأ إجراءات الإنعاش القلبي الرئوي الخاصة بالرضع.

الحوامل والأشخاص الذين يصعب إحاطة البطن لديهم
لا تكون الضغطات البطنية مناسبة في كل الحالات، فإذا كانت المصابة حاملًا، أو كان حجم جسم الشخص لا يسمح بإحاطة البطن بصورة مناسبة. يتم تعديل طريقة الإنقاذ باستخدام الضغطات الصدرية بدلًا من الضغط على البطن.
وتوضع اليدان في الموضع المناسب على منتصف الصدر، ثم تنفذ ضغطات سريعة تهدف إلى توليد القوة اللازمة للمساعدة على إخراج الجسم العالق، مع مراعاة اتباع أساليب الإسعافات الأولية المعتمدة.

هل يمكن أن تنقذ نفسك إذا كنت وحدك؟
قد يجد الشخص نفسه وحيدًا أثناء تعرضه للاختناق، وفي هذه الحالة يمكن محاولة إجراء الضغطات البطنية على نفسه. يمكن وضع قبضة اليد فوق السرة وأسفل القفص الصدري، ثم الإمساك بها باليد الأخرى وتنفيذ دفعات سريعة إلى الداخل والأعلى.
كما يمكن الاستعانة بحافة ثابتة، مثل ظهر كرسي متين أو سطح مناسب من خلال الضغط بالجزء العلوي من البطن عليه بقوة. بهدف توليد الضغط الذي قد يساعد على تحريك الجسم العالق.
وفي الوقت نفسه، ينبغي طلب المساعدة الطارئة فورًا إذا كان ذلك ممكنًا، لأن الاختناق الكامل قد يتطور بسرعة إلى فقدان الوعي.

ليست كل حالات الاختناق متشابهة
من أهم الأمور التي يجب تذكرها أن التدخل يعتمد على شدة الانسداد. فالشخص الذي يستطيع السعال بقوة أو الكلام أو التنفس لا يحتاج عادة إلى الضغطات البطنية، بل يجب تشجيعه على السعال ومراقبة حالته.
أما الشخص الذي لا يستطيع إصدار صوت، أو أصبح عاجزًا عن التنفس، أو بدأ يفقد وعيه، فيحتاج إلى تدخل إسعافي سريع. وهنا تكمن أهمية التدريب المسبق، لأن معرفة الخطوات قبل حدوث الطارئ تمنح الشخص قدرة أكبر على التصرف بهدوء وسرعة.
تقنية منقذة للحياة.. لكنها ليست خالية من المخاطر
رغم أن الضغطات البطنية قد تكون إجراءً منقذًا للحياة، فإنها ليست خالية تمامًا من المضاعفات. فالضغط القوي أو غير الصحيح قد يؤدي في بعض الحالات إلى إصابات. مثل كسور الأضلاع أو إصابات في منطقة البطن، خصوصًا لدى كبار السن أو الأشخاص الأكثر هشاشة.
لكن في حالة الاختناق الشديد، تكون الأولوية لإعادة فتح مجرى الهواء. لأن استمرار انقطاع الأكسجين يمثل خطرًا أكبر بكثير من احتمال حدوث إصابة نتيجة الإسعاف.


ولهذا فالطريقة الأفضل هي تعلم الإسعافات الأولية عمليًا من جهات معتمدة. وليس الاكتفاء بمشاهدة مقطع فيديو أو قراءة التعليمات مرة واحدة.
كيف نحمي الأطفال من الاختناق؟
إن الوقاية أفضل من التعامل مع حالة طارئة بعد وقوعها، خصوصًا لدى الأطفال الصغار الذين يكونون أكثر عرضة لوضع الأجسام في أفواههم.
ومن الإجراءات المهمة إبقاء الأشياء الصغيرة بعيدًا عن متناول الأطفال، ومراقبتهم أثناء اللعب وتناول الطعام. وتقطيع الأطعمة إلى قطع مناسبة لأعمارهم.
كما يجب الانتباه بشكل خاص إلى الأطعمة ذات الشكل الدائري أو الصلب. وعدم السماح للأطفال بتناول الطعام أثناء الجري أو اللعب. مع التأكد من جلوسهم بهدوء أثناء الأكل. والأهم من ذلك هو عدم ترك الأطفال الصغار دون مراقبة أثناء تناول الطعام.
من تجربة طبية إلى معرفة يجب أن يمتلكها الجميع
منذ أن طرح هنري هيمليك فكرته في سبعينيات القرن الماضي، أصبحت مواجهة الاختناق جزءً أساسيًا من برامج الإسعافات الأولية في أنحاء العالم.
ورغم تطور التوصيات الطبية وتحديث طرق التعامل مع حالات الاختناق. يمنح التدخل السريع والصحيح المصاب فرصة لاستعادة التنفس قبل فوات الأوان.

فالاختناق لا يختار مكانًا أو زمانًا، قد يحدث في المنزل، أو المطعم، أو المدرسة، أو مكان العمل. وقد يكون الشخص المصاب طفلًا أو بالغًا أو حتى الشخص الذي يقف إلى جوارك على مائدة الطعام.
إن معرفة علامات الاختناق، والقدرة على التمييز بين السعال الفعال والانسداد الشديد. ومعرفة متى تستخدم ضربات الظهر أو الضغطات البطنية أو الضغطات الصدرية أو الإنعاش القلبي الرئوي هي مهارات قد تتحول في لحظة ما إلى وسيلة لإنقاذ حياة وقد تكون المعرفة المسبقة. والهدوء، والتصرف الصحيح، هي الفارق الحقيقي بين نهاية مأساوية وقصة نجاة.













