كسوة الكعبة المشرفة.. رحلة الذهب والفضة إلى البيت الحرام

صناعة كسوة الكعبة المشرفة.. إرث خالد ينسج قدسية الزمان والمكان
صناعة كسوة الكعبة المشرفة.. إرث خالد ينسج قدسية الزمان والمكان

تمثل صناعة كسوة الكعبة المشرفة إرثًا عظيمًا يمتد لقرون، فهي ليست مجرد قطعة قماش، وإنما عمل بديع يجسد أسمى معاني التبجيل والتقديس.

وتعبر صناعة كسوة الكعبة، عن رحلة متميزة للذهب والفضة عبر الزمان والمكان. منسوجة بدقة متناهية، واحترافية عالية الأداء، لتخرج في النهاية بأبهى حُلة.

اختيار القماش وخيوط التطريز

تبدأ رحلة صناعة كسوة الكعبة المشرفة باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي الخالص.  المستورد لهذه الغاية دون غيرها. إذ يشترط فيه أن يكون نقيًا تمامًا، وذا جودة عالية جدًا، حتى يتحمل عمليات الصباغة والتطريز المعقدة.

ويتم صباغة الحرير باللون الأسود العميق، وهو اللون الذي يميز كسوة الكعبة. حيث تجري عملية الصباغة بعناية فائقة. لضمان ثبات اللون ومقاومته للعوامل الجوية المختلفة.

أما عن خيوط التطريز، فهي الوجه الآخر من هذه التحفة الفنية، حيث تستخدم فيها خيوط من الذهب الخالص عيار 24 قيراطًا. وأخرى من الفضة المطلية بالذهب والنقية أيضًا.

فيما يتم تدوير خيوط حريرية قوية تشكيل خطوطًا سميكة ومتينة لتتحمل عملية التطريز اليدوي. لتضفي على النقوش بروزًا وجمالًا. وتصنع هذه الخيوط لكسوة الكعبة فقط، ويشرف على جودتها فريق من المتخصصين لضمان نقائها ومتانتها.

ويبلغ وزن الذهب المستخدم في تطريز الكسوة الواحدة للكعبة المشرفة نحو 120 كيلوجرامًا. بينما يصل وزن الفضة إلى 100 كيلوجرام، مما يعكس الفخامة والجلال الذي يميز هذه الصناعة.

مراحل التصميم والتطريز الدقيق

علاوة على ذلك وبعد اختيار القماش والخيوط، تبدأ المراحل الفنية لإنتاج الكسوة، وتتطلب تركيزًا هائلًا وخبرة عميقة. فيما تتمثل فيما يلي:

1. مرحلة إعداد النسيج:

بعد صباغة الحرير ينسج القماش في أنوال خاصة، ويصمم النسيج نفسه ليحتوي على زخارف إسلامية خفيفة، تعرف بـ”الزخارف الجاكاردية”، وهي تنسج داخل القماش نفسه، لتعطيه عمقًا وجمالًا حتى قبل البدء في التطريز.

2. مرحلة تصميم الآيات القرآنية والزخارف:

فيما تصمم الآيات القرآنية التي ستطرز على الكسوة، بالإضافة إلى الزخارف الإسلامية الأخرى بعناية فائقة من قبل خطاطين وفنانين متخصصين. كما يراعى في التصميم قواعد الخط العربي الأصيل، ويتم اختيار الآيات التي تحمل دلالات عظيمة تتناسب مع قدسية بيت الله الحرام.

3. مرحلة طباعة التصميم على القماش:

علاوة على ذلك تتم طباعة هذه التصميمات على أجزاء الكسوة المختلفة، باستخدام طرق طباعة دقيقة، لضمان وضوح الخطوط ودقتها، والتي ستكون بمثابة دليل للحرفيين في أثناء عملية التطريز.

4. مرحلة التطريز اليدوي:

تعد هذه المرحلة الأكثر حساسية، وتتطلب أكبر قدر من الجهد والمهارة، حيث يجلس الحرفيون المهرة ـ المعروفون بـ”المطرزين” ـ لساعات طويلة، بل ولأشهر، لتطريز الآيات القرآنية والزخارف بدقة متناهية.

كما تستخدم في هذه العملية إبر خاصة، ويتم تمرير خيوط الذهب والفضة من خلال القماش، لتشكل الكلمات والحروف والزخارف البارزة. فيما تتميز هذه المرحلة بأنها يدوية بالكامل، مما يضفي عليها قيمة فنية لا تضاهى.

ويطلق على هذه التقنية اسم “التطريز البارز”، إذ ترفع الآيات القرآنية والزخارف عن سطح القماش، مما يمنحها مظهرًا ثلاثي الأبعاد لضمان هذا البروز، كما تبطن أجزاء معينة من القماش بطبقات من القطن أو مواد أخرى قبل تطريزها. ثم تلف خيوط الذهب والفضة حول هذه البطانة، لتشكيل الحروف البارزة. وتتطلب هذه العملية تركيزًا عاليًا ودقة في كل غرزة، فإن أي خطأ قد يؤثر على جمال وجودة الكسوة بأكملها.

مكونات الكسوة وأجزاؤها

تتكون كسوة الكعبة المشرفة من عدة أجزاء رئيسية، لكل منها اسمه ووظيفته:

  • الستارة (البرقع): وهي الجزء الذي يغطي باب الكعبة المشرفة، وتعد الأكثر تطريزًا وتزيينًا بالآيات القرآنية والزخارف الذهبية والفضية.
  • الجزء العلوي (الحزام): يحيط بالكعبة من الأعلى، ويطرز عليه آيات قرآنية تشمل لفظ الجلالة “الله”، واسم “محمد”، وبعض الأدعية والأذكار.
  • القطع الجانبية: تغطي بقية جدران الكعبة الأربعة، وتطرز عليها آيات قرآنية متفرقة.
  • الستارة الداخلية: وهي كسوة داخلية من الحرير الأخضر، أقل تفصيلًا من الخارجية، ولكنها تصنع بنفس الدقة والعناية.

مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة

تصنع كسوة الكعبة المشرفة في مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، والذي يعد صرحًا صناعيًا فريدًا من نوعه. تأسس هذا المجمع عام 1927 ميلاديًا، وكان يعرف في بداياته بـ”دار الكسوة الشريفة”. على مر السنين، تطور المجمع ليصبح مركزًا متكاملًا لإنتاج الكسوة، يضم أحدث التقنيات والمعدات، بالإضافة إلى ورش العمل اليدوية التي تمارس فيها الحرفية العريقة.

يشرف على المجمع كادر ضخم من المهندسين والفنيين والإداريين والحرفيين، الذين يعملون بتفانٍ وإخلاص لإنتاج الكسوة الشريفة. بينما تستغرق عملية صناعة الكسوة الواحدة حوالي 8 إلى 10 أشهر عمل متواصلة، نظرًا للدقة والتعقيد في جميع مراحلها. وتنتج الكسوة الجديدة كل عام، ويتم تسليمها للكعبة المشرفة في يوم وقفة عرفة، ليتم تبديلها في فجر أول أيام عيد الأضحى المبارك.

العناية بالكسوة القديمة

بعد استبدال الكسوة الجديدة بالقديمة، لا تُهمل الكسوة القديمة، بل تُقسم إلى قطع صغيرة وتوزع على كبار الشخصيات والضيوف من رؤساء الدول والملوك والسفراء كهدية تذكارية قيمة، نظرًا لقيمتها الروحية والتاريخية العظيمة. بعض الأجزاء تحفظ في المتاحف والمعارض لتوثيق تاريخ هذه الصناعة العريقة.

الرابط المختصر :