كبرنا ونحن نعتني بالجميع.. كيف يصنع الإهمال العاطفي هذه الشخصية؟

تعد المسؤولية صفة إيجابية عادةً، إذ أنها ترتبط بالثقة والالتزام والاهتمام بالآخرين. لكن عندما يتحول تحمل المسؤولية إلى شعور دائم بضرورة رعاية الجميع وحل مشكلاتهم. فقد يصبح الأمر عبئًا نفسيًا، خصوصًا لدى بعض البالغين الذين عاشوا تجربة الإهمال العاطفي خلال طفولتهم.

وقد يظهر ذلك في مواقف يومية مختلفة؛ كالشعور بضرورة التأكد من استمتاع الجميع في مناسبة ما، أو المبادرة دائمًا إلى مساعدة الزملاء. أو الإحساس بالمسؤولية تجاه معاناة الآخرين حتى عندما لا يكون الشخص مطالبًا بالتدخل.

وغالبًا ما يجد هؤلاء أنفسهم في دور الشخص الذي يمكن الاعتماد عليه. فيلجأ إليهم الآخرون عند مواجهة المشكلات، بينما يضعون احتياجاتهم ومشاعرهم في المرتبة الثانية.

ما الإهمال العاطفي في الطفولة؟

يشير الإهمال العاطفي في مرحلة الطفولة إلى غياب الوعي بمشاعر الطفل أو عدم الاستجابة لها والتحقق منها بصورة كافية داخل الأسرة. ولا يعني ذلك بالضرورة تعرض الطفل لسلوك مؤذٍ بشكل مباشر، بل قد يتمثل في عدم حصوله على الدعم العاطفي الذي يحتاج إليه لفهم مشاعره والتعبير عنها والتعامل معها.

This may contain: a man and woman sitting on a couch looking at their cell phones as they look at the screen

وتعد المشاعر جزءًا أساسيًا من فهم الإنسان لذاته وعلاقاته بالآخرين. ولذلك فإن تجاهلها خلال سنوات الطفولة قد يؤثر في الطريقة التي ينظر بها الشخص إلى احتياجاته ومشاعره عندما يكبر.

وفي بعض الحالات، قد يتعلم الطفل بصورة غير مباشرة أن مشاعره ليست ذات أهمية، فيبدأ بالتركيز على مشاعر الآخرين واحتياجاتهم بدلًا من الإصغاء إلى عالمه الداخلي. ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول هذا النمط إلى شعور مفرط بالمسؤولية تجاه الآخرين.

لماذا يتحمل البعض مسؤولية أكبر مما ينبغي؟

يمكن أن تظهر آثار الإهمال العاطفي في الطفولة لدى البالغين بطرق مختلفة، ومن بينها الميل إلى الاعتماد على الفعل والإنجاز بدلًا من التعامل مع المشاعر.

الكفاءة العالية والاعتماد على النفس

قد يصبح الشخص شديد الاعتماد على نفسه، وقادرًا على التعامل مع المشكلات وإنجاز المهام بكفاءة. في حين يجد الآخرون أنفسهم يلجؤون إليه طلبًا للمساعدة.

لكن هذه القدرة قد تتحول إلى ضغط عندما يشعر بأنه مطالب دائمًا بأن يكون منتجًا وفعالًا، بغض النظر عن تأثير ذلك في راحته واحتياجاته.

التركيز على الآخرين

قد يكون توجيه الانتباه إلى الخارج وسيلة لتجنب مواجهة المشاعر الداخلية. ولذلك ينشغل الشخص بمشكلات الآخرين واحتياجاتهم. بينما يشعر بعدم الارتياح عند التوقف للتفكير في مشاعره الخاصة.

تجاهل الاحتياجات الشخصية

عندما لا يتعلم الإنسان في طفولته أن مشاعره مهمة، فقد يكبر دون قدرة واضحة على تحديد ما يريده أو ما يرفضه أو ما يمنحه الشعور بالرضا. ومع التركيز المستمر على الآخرين، تصبح احتياجاته الشخصية أقل حضورًا في حياته.

الشعور بعدم الأهمية

قد يؤدي غياب التقدير العاطفي خلال الطفولة إلى ترسيخ شعور لدى بعض الأشخاص بأن احتياجات الآخرين أهم من احتياجاتهم. ومع الوقت، قد يصبح الاهتمام بالآخرين وتلبية رغباتهم وسيلة للحصول على الشعور بالقيمة والانتماء.

A quarter of parents in Britain are struggling to provide enough food for their children (Photo: supplied by Barnardo's)

عندما يصبح الاهتمام بالآخرين على حساب الذات

إن مساعدة الآخرين والاهتمام بمشاعرهم مهارات إنسانية مهمة، لكن المشكلة تظهر عندما يشعر الشخص بأنه مسؤول عن راحة الآخرين وسعادتهم ونجاحهم، بينما يتجاهل راحته وصحته واحتياجاته.

فالقدرة على فهم ما يحتاج إليه الآخرون لا تعني أن الشخص مطالب بتلبية كل هذه الاحتياجات. كما أن التعاطف لا يستلزم تحمل مسؤولية مشكلات الآخرين بالكامل.

ومن هنا، يصبح من المهم إعادة النظر في المسؤوليات التي يتحملها الإنسان، والتمييز بين ما يقع فعلًا ضمن نطاق مسؤوليته وما يتجاوز حدوده.

ثلاث خطوات للتخفيف من الشعور بالمسؤولية المفرطة

أولًا: الإصغاء إلى الذات

تبدأ الخطوة الأولى بالانتباه إلى المشاعر والاحتياجات الشخصية بدلًا من التركيز الدائم على الآخرين. وقد يكون التعرف إلى هذه المشاعر صعبًا في البداية، لكنه يساعد على تطوير فهم أوضح للذات.

ثانيًا: إعطاء الأولوية للاحتياجات الشخصية

الاهتمام بالنفس لا يعني الأنانية، بل يمثل جزءً من المسؤولية الشخصية. فمن المهم أن يمنح الإنسان احتياجاته ومشاعره مساحة حقيقية، بدلًا من اعتبارها أقل أهمية من احتياجات المحيطين به.

ثالثًا: وضع حدود واضحة

تساعد الحدود الصحية على تنظيم العلاقات وتحديد ما يستطيع الشخص تقديمه وما لا يستطيع تحمله. كما يتيح التعبير الواضح عن المشاعر والاحتياجات بناء علاقات أكثر توازنًا، تقوم على احترام احتياجات الطرفين.

من غير الممكن أن يتحمل الإنسان مسؤولية كل شيء وكل شخص من حوله، لكن يمكنه أن يتحمل مسؤولية نفسه واحتياجاته وحدوده.

وقد يكون الاهتمام بالآخرين وتقديم الدعم لهم قيمة مهمة، إلا أن هذه المهارة تفقد توازنها عندما تأتي على حساب الذات. لذلك، فإن إدراك الاحتياجات الشخصية والاستجابة لها يمكن أن يساعد في بناء مفهوم أكثر توازنًا للمسؤولية، بحيث لا يكون العطاء المستمر سببًا في إهمال النفس.

الرابط المختصر :