كاتب فرنسي يرسم ملامح الأرض المقدسة.. مشاهدات فريدة من رحلته إلى الحجاز

الكاتب الفرنسي جول جرافيه يرسم ملامح الأرض المقدسة: مشاهدات فريدة من رحلته إلى الحجاز
الكاتب الفرنسي جول جرافيه يرسم ملامح الأرض المقدسة: مشاهدات فريدة من رحلته إلى الحجاز

هناك العديد من الكُتّاب الذين اهتموا بكتابة وقصص عن الأرض المقدسة، ومن بين هؤلاء الكاتب والمصور الفرنسي جول جرافيه. يعتبر “جرافيه” من الكتاب البارزين الذين كتبوا عن تاريخ وحضارة الأرض المقدسة، مع التركيز على جوانبها المختلفة.

‏جول جرافيه كورتيلمون

مصور فوتوغرافي فرنسي كان مقيمًا في الجزائر في أواخر القرن الـ19، وكان واحدًا من الفرنسيين الذين هاموا بالمشرق، وأحبوا حياته الرومانسية العابقة بصدق المشاعر وأصالة الأخلاق والقيم الإنسانية، أثاره قيام القنصل الفرنسي ليون روش في عام 1891، برحلة حج من الجزائر إلى مكة المكرمة، فقرر في عام 1894 القيام برحلة مماثلة على خطاه، ليختبر بنفسه هذه التجربة الروحية الفريدة، وسافر بجواز سفر يحمل اسم عبدالله بن البشير.

كتاب “رحلتي إلى مكة

كان جرافيه شغوفًا بالدراسات التاريخية والثقافية للأرض المقدسة. حيث كتب العديد من الكتب والرسائل حول الأرض المقدسة، مع التركيز على جوانب مختلفة منها. كما أن جرافيه مؤلفًا بارعًا، وكان أسلوبه في الكتابة جذابًا ومؤثرًا. في حين أن أطروحاته مؤثرة في مجال دراسة تاريخ وحضارة الأرض المقدسة، ولا تزال كتبه موردًا مهمًا للمعلومات في هذا المجال.

كتاب رحلتي إلى مكة
كتاب رحلتي إلى مكة

 

أما بالنسبة للكتاب فهو عمل فريد يوثق رحلة المؤلف إلى مكة المكرمة عام 1894. تم نشر الكتاب لأول مرة باللغة الفرنسية عام 1897 تحت عنوان Mon Voyage à la Mecque، ويتضمن 34 صورة التقطها المؤلف خلال رحلته، بما في ذلك بانوراما مطوية لمكة المكرمة.

نبذة عن المؤلف والرحلة

ولد جول جرفيه كورتيلمون عام 1863 في فرنسا، وانتقل مع عائلته إلى الجزائر عام 1874. وأبدى اهتمامًا كبيرًا بالثقافة الإسلامية، وقرر في عام 1894 أداء فريضة الحج.  لتسهيل رحلته، وحصل على جواز سفر باسم “عبدالله بن البشير”. خلال رحلته، التقط صورًا نادرة لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة. ما جعل كتابه من أوائل الأعمال المصورة عن الحج.

محتوى الكتاب

يقدم الكتاب وصفًا دقيقًا لتجربة الحج، ويتناول مشاهد من مكة المكرمة والمدينة المنورة. يمتاز بأسلوبه السلس والواضح، ويعكس احترام المؤلف للعادات والتقاليد الإسلامية. كما يعبر عن إعجابه بالبساطة والروحانية التي لمسها خلال رحلته.

بينما يعد كتاب “رحلتي إلى مكة” من أوائل الكتب التي وثقت تجربة الحج من منظور غربي، مع تقديم صور فوتوغرافية نادرة لتلك الفترة. كما يعكس الكتاب اهتمام الغرب بالعالم الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر، ويعتبر مصدرًا قيمًا للباحثين في مجالات التاريخ والثقافة الإسلامية.

كما أن المؤلف عبّر عن عشقه للأرض المباركة “الحجاز، ومكة خصوصًا” بأسلوب حميمي ومفعم بالاحترام والتقدير، رغم كونه فرنسيًا غير مسلم في الأصل. وقد تجلّى هذا العشق في عدة مظاهر من كتابه “رحلتي إلى مكة”.

احترامه الشديد لقدسية المكان

كان حريصًا على نقل أجواء مكة بروح متأملة ومتزنة، وحرص على استخدام كلمات تبرز رهبة المكان وقداسته، وكأنه يصف مكانًا يفوق الوصف. لم يتعامل معها كمجرد موقع جغرافي، بل كـ”قلب روحي نابض” للمسلمين.

الانغماس في التجربة

أحب الأرض إلى درجة أنه تقمص هوية مسلم باسم “عبدالله بن البشير” لكي يتمكن من دخول مكة؛ نظرًا لأنها كانت آنذاك مغلقة على غير المسلمين. هذه الخطوة لم تكن مدفوعة بالفضول الاستشراقي فقط، بل برغبة صادقة في التجربة الكاملة للحج ومكة.

الإعجاب بالبساطة والروحانية

كتب في وصفه للحج وأهل مكة ما يعكس انبهاره بجمال التواضع والبساطة في حياة الناس هناك، وبالعلاقة العميقة التي تربطهم بالله. لم يخفِ إعجابه بـ”النقاء الروحي” الذي شعر به في تلك البقاع.

تصويره البصري للمشاعر المقدسة

كاميرته لم تكن مجرد أداة توثيق، بل كانت وسيلة حب وتقدير. التقط صورًا نادرة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، أظهرت تعلقه بالمكان ومحاولته نقل روحانية المشهد للآخرين.

اقرأ أيضًا: من الحجاز إلى السعودية.. أسماء المملكة قبل التوحيد

أوصافه الأدبية المؤثرة

استخدم أسلوبًا شعريًا في بعض الأحيان ليصف مكة وكأنها حلم روحي تحقق، وكتب عن شعوره وهو يرى الكعبة للمرة الأولى بكلمات تشي بالخشوع والانبهار. ومن بين الاقتباسات التي تعكس عشق “جول جرفيه كورتيلمون” للأرض المباركة في كتابه رحلتي إلى مكة: “لقد شعرت في مكة بشيءٍ لم أعهده من قبل؛ سكينة تغمر القلب، وكأنني ولدت من جديد في حضرة هذا المكان المقدس. كل خطوة في طرقات مكة كانت تهمس لي بأسرارٍ روحية، لم أكن لأفهمها لولا هذا القرب العميق من الكعبة المشرفة. عندما نظرت إلى الكعبة لأول مرة، أدركت أنني أمام مركز الكون الروحي؛ مكان يجذب القلوب قبل الأجساد. في بساطة حياة أهل مكة، وجدت عمقًا روحانيًا يفوق كل ما عرفته من قبل؛ تواضع وإيمان يلامسان القلب. لم تكن رحلتي إلى مكة مجرد سفرٍ جغرافي، بل كانت رحلة إلى أعماق النفس، اكتشفت فيها معاني الإيمان الحقيقية”.

الرابط المختصر :