في عمق الصحراء السعودية، وعلى بعد نحو 254 كيلو مترًا شمال شرق مدينة الطائف. تمتد واحدة من أكثر التحف الجيولوجية إدهاشًا في الجزيرة العربية، إنها فوهة الوعبة أو كما تعرف محليًا باسم “مقلع طمية”.
وهي فوهة بركانية ضخمة تبدو كأنها من مشاهد الكواكب الأخرى، تجمع بين الغموض والجمال في آن واحد. وتحمل تاريخًا جيولوجيًا عمره أكثر من مليون عام. وفقًا لما ذكرته وكالة الأنباء السعودية.
موقع يختصر جمال الجيولوجيا وغرابة الطبيعة
في حين تقع فوهة الوعبة ضمن نطاق حرة كشب البركانية، شمال شرق محافظة الطائف. وهي واحدة من أبرز الحرات البركانية في المملكة.
كما تمتد على مساحة شاسعة؛ إذ يبلغ قطرها حوالي 2.3 كيلو متر، فيما يصل عمقها إلى نحو 250 مترًا. ما يجعلها أكبر فوهة بركانية في شبه الجزيرة العربية.
وما يثير الدهشة أكثر هو القاع الأبيض الذي يغطيها بالكامل، والذي ليس سوى طبقة من الأملاح المعدنية المتبلورة. تكونت بفعل تجمع مياه الأمطار في قاع الفوهة ثم تبخرها مع الزمن.
فيما تشكّل لوحة طبيعية مذهلة يتدرج لونها من الأبيض الساطع في المركز إلى البني الداكن عند الحواف الصخرية.
كيف ولدت فوهة الوعبة؟
يرجع العلماء نشأة هذه الفوهة إلى انفجار بخاري ضخم حدث قبل أكثر من مليون ومائة ألف عام. عندما تفاعلت كميات هائلة من الحمم البركانية مع المياه الجوفية الباردة. ما تسبب في انفجار عنيف نسف الصخور العليا مخلّفًا حفرة دائرية ضخمة.
بينما هذا النوع من البراكين يعرف علميًا باسم بركان “مار” (Maar). وهو نادر الوجود في المنطقة العربية، وهذا يمنح الوعبة أهمية علمية عالمية.

منظومة بيئية فريدة وسط القسوة الصحراوية
على الرغم من طبيعة المكان القاسية فإن فوهة الوعبة تزخر بعناصر بيئية متنوّعة. حيث تنمو حول حوافها النباتات الصحراوية وبعض أشجار النخيل.
كما تتردد إليها أنواع من الطيور المهاجرة، في مشهد يجمع بين الجفاف والحياة في توازن نادر.
علاوة على ذلك الطبقة البيضاء في قاع الفوهة غنية بفوسفات الصوديوم وأملاح أخرى. وشكّلت عبر القرون سطحًا ناعمًا لامعًا يعكس أشعة الشمس في النهار والقمر ليلًا. ما يجعلها وجهة مفضلة للمصورين وهواة الاستكشاف.
وجهة سياحية على خريطة العالم
كذلك لم تعد فوهة الوعبة مجرد موقع جيولوجي، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى معلم سياحي بارز. يقصده الزوّار من داخل المملكة وخارجها.
في حين أدرج الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية (IUGS) الفوهة ضمن أفضل 100 موقع للتراث الجيولوجي العالمي لعام 2024. بالتعاون مع منظمة اليونسكو، تقديرًا لقيمتها العلمية والطبيعية الفريدة.
فيما تعمل الهيئة السعودية للسياحة ووزارة الثقافة على إدراج الموقع ضمن مشاريع السياحة البيئية والعلمية. بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى تنويع مصادر السياحة وإبراز الكنوز الطبيعية.
رحلة إلى أعماق التاريخ
يستغرق النزول إلى قاع الفوهة نحو 45 دقيقة سيرًا على الأقدام عبر مسار متدرج. يتيح للزائر رؤية طبقات الصخور البركانية المتتابعة التي تحكي قصة تشكّل الأرض.
ويفضّل زيارتها في الصباح الباكر أو قبل الغروب لتجنّب حرارة النهار. مع ضرورة ارتداء أحذية مريحة وحمل كمية كافية من الماء.
وفي الليل تتحوّل المنطقة إلى مسرح سماوي بديع. حيث يمكن مشاهدة النجوم بوضوح نادر بعيدًا عن أضواء المدن. ما جعلها موقعًا مفضلًا لهواة التصوير الفلكي والتخييم الصحراوي.

التحديات والفرص
رغم شهرتها المتزايدة تواجه فوهة الوعبة تحديات؛ أبرزها: ضعف البنية التحتية السياحية وقلة الخدمات الأساسية في الموقع، علاوة على الحاجة إلى برامج توعية بيئية لحماية الطبقة الملحية الحساسة من التلف بسبب الدهس أو التلوث.
لكن في المقابل تمثل الفوهة فرصة ذهبية لتطوير السياحة الجيولوجية في السعودية. من خلال إنشاء مركز زوار حديث، ومسارات للمشي، ومنصات مراقبة آمنة، إضافة إلى برامج علمية وتثقيفية تستهدف طلاب الجيولوجيا ومحبي الطبيعة.
اقرأ أيضًا: متحف الدمام الإقليمي.. رحلة عبر العصور في قلب المنطقة الشرقية
أيقونة سعودية تستحق الاكتشاف
وفي النهاية فوهة الوعبة ليست مجرد حفرة في الأرض، بل شاهد على عظمة الطبيعة وقوة الخلق، تذكّر الزائر بأن الأرض كائن حيّ يتنفّس ويتغيّر.
وما بين جمالها الغامض وتاريخها العميق تبقى الوعبة جوهرة جيولوجية فريدة تستحق أن تكون على رأس قائمة المعالم الطبيعية التي تروى عنها القصص وتسرد لها الأساطير.


















