تختزل بلدة عين بن فهيد، العاصمة الإدارية لمحافظة الأسياح قصيدة نجدية قديمة في مغالبة الطبيعة وصناعة الحياة من قلب الصحراء. بدأت الحكاية الحديثة لهذه البلدة التاريخية نحو عام 1203هـ، عندما استقطعها محمد بن فهيد من الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود. ليعيد استنباط عيونها الشهيرة، وتحولها عزيمته إلى مركز اقتصادي وإستراتيجي مرموق بالمنطقة، فاضت خيراته بإنتاج القمح والتمور تجاريًا، مع إكرام الضيف وإعانة عابر السبيل.
النشأة وصناعة الأثر
في عام 1882م، وطأت قدم الرحالة والمستشرق الفرنسي تشارلز هوبر، أراضي البلدة في طريقه من بريدة. وعلى الرغم من حيدة هوبر إلى الوصف الطبوغرافي الجاف على حساب رصد الحياة الاجتماعية الغنية حينها. إلا أن مشاهداته رسمت لوحة حية ومتباينة لطبيعة العيش في نجد خلال القرن التاسع عشر.

شاهد على العصر.. عين بن فهيد في عين الرحالة
وثق هوبر في مدوناته مشاهد بليغة؛ فقبل وصوله لعين بن فهيد. مر بـ “الطرفية” ذات الستين نفسًا. وشهد مأساتها بعد جفاف آبارها وتفرق أهلها. متأثرًا بمنظر جذوع النخيل الميتة الشبيهة بغابة من العصي. وعلى النقيض تمامًا. وجد عين بن فهيد في نماء مطرد ومظاهر عمران فتية منها بساتين تخص الأميرة حسن المهنا يغذي نخيلها خمسة ينابيع جارية.
المفارقة النجدية
بحسب “الرياض” كانت ينابيع عين بن فهيد رقراقة وصافية يسقى بها النخل، لكنها غير صالحة للشرب لارتفاع ملوحتها. لذا، تحتم على الأهالي إرسال القوافل ليلًا لقطع 20 كيلومترًا نحو آبار “الوسيطة” لجلب مياه الشرب. رغم كدرتها ومرارتها، في تجسيد حي لصراع البقاء الصارم في تلك البيئة القاسية.

شواهد تاريخية
بينما لم تكن عين بن فهيد مجرد واحة زراعية، بل موطن لإرث حضاري موغل في القدم؛ إذ رصد هوبر أطلال قصر مارد العظيم بأسواره المربعة الممتدة لـ 40 مترًا. إضافة إلى الصخور والنقوش الحميرية والعربية القديمة التي تنتشر حول فوهة البركان مجاورة للبلدة، والكهفين المقببين الفريدين شماليها الشرقي.
كما أثبتت عين بن فهيد عبر التاريخ قدرتها الفائقة على النهوض؛ فعلى الرغم من أن التقلبات السياسية والثورات أفرغتها من ساكنيها مرارًا. إلا أنها كانت تعود في كل مرة أكثر حيوية وأشد عودًا. إنها قصة وطن حفر صخره ليروي نخيله. وصنع من شح الماء دليلًا على أصالة الإنسان وإرادته.



















