عندما يتحول التعاطف إلى عبء.. الوجه الخفي للحساسية الزائدة

يتمتع بعض الأشخاص بقدرة عالية على مشاركة مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، سواء كانوا من المقربين أو حتى شخصيات في الأفلام. فعندما يسمعون أن أحد الأصدقاء يمر بأزمة، يشعرون بالقلق ذاته وتتسارع دقات قلوبهم، وكأنهم يعيشون الموقف بأنفسهم.
هذا النوع من الأشخاص يملك حسًا إنسانيًا عميقًا يمكنه من التواصل مع الآخرين بسهولة ودفء، غير أن الإفراط في التعاطف قد يتحول إلى عبء نفسي وعقلي. وإذا لم يتعلم صاحبه الفصل بين مشاعره ومشاعر الآخرين. ما يؤدي إلى الإرهاق العاطفي أو فقدان الاهتمام التدريجي. وفقًا لـ”ajnet”.

عندما يصبح التعاطف مرهقًا

توضح المعالجة النفسية سابا هاروني لوري، في حديثها لموقع “Very Well Mind”، أن “التعاطف الزائد مع الآخرين قد يكون مرهقًا للغاية، فالكثير من الأشخاص المتعاطفين لا يدركون حجم الخسائر النفسية التي قد تسببها هذه الممارسة على صحتهم”.
فبينما يعتبر التعاطف سلوكًا إنسانيًا نبيلًا؛ إلا أن المبالغة فيه قد تترك أثرًا سلبيًا على صاحبه. وتؤدي إلى تراجع طاقته النفسية أو تحوله بمرور الوقت إلى شخص غير مبالٍ.

ارتداء حذاء الآخرين

عندما نحاول التخفيف عن صديق يعاني من فقدان أو أزمة، لا يعني ذلك أن نغرق في مشاعره ونتبنى حزنه كما لو كان حزننا الشخصي.
فالإفراط في التقمص العاطفي قد يجعل الشخص يعيش ألم الآخرين بشكل جسدي ونفسي. ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات هرمون التوتر الكورتيزول، ويزيد احتمالية الإصابة بالاكتئاب أو الشعور بالعجز واليأس.
إن مساعدة الآخرين لا تتطلب الانغماس الكامل في معاناتهم، بل تتطلب توازنًا صحيًا بين التعاطف والفصل العاطفي.

عندما يمنعك التعاطف من المساعدة

يؤدي التعاطف المفرط في كثير من الأحيان إلى استنزاف الطاقة النفسية، فيفقد صاحبه قدرته على تقديم الدعم الفعلي لمن حوله.
وقد يصل الحال ببعض الأشخاص إلى تجنب أصدقائهم المتألمين خوفًا من أن يزداد شعورهم بالضغط النفسي. ما يحول التعاطف النبيل إلى عبء يمنع المساعدة بدل أن يعززها.

إرهاق التعاطف.. عندما تنطفئ القدرة على الإحساس

يعرف مركز كليفلاند كلينك الأمريكي مصطلح إرهاق التعاطف (Empathy Fatigue) بأنه “فقدان القدرة على الاهتمام والانخراط مع ما يدور حولك نتيجة التعرض المتكرر للأحداث المؤلمة أو المجهدة”.
وتصف الطبيبة النفسية سوزان ألبرز هذا الإرهاق بأنه استنزاف عاطفي وجسدي ناتج عن الاهتمام الدائم بشؤون الآخرين، مشيرة إلى أن الشخص المتعاطف قد يتحول تدريجيًا إلى شخص غير مبالٍ يحاول تجنب الانخراط في مشاعر الآخرين.

كيف تحمي نفسك من إرهاق التعاطف؟

رغم أن التحكم في المشاعر ليس أمرًا يسيرًا، خاصة لمن يملكون حساسية عالية تجاه الآخرين، فإن هناك خطوات تساعد على تنظيم المشاعر وحماية الذات من الإرهاق العاطفي.

1. اهتم بمشاعرك أولًا

ابدأ بالاعتراف بمشاعرك ومنح نفسك الوقت والرعاية التي تمنحها للآخرين. كثيرًا ما نغفل عن مشاعرنا الحقيقية بسبب الانشغال بالآخرين. ما يؤدي إلى تراكم الضغوط النفسية.
تعلّم أن تحوّل بعض طاقة التعاطف نحو نفسك، وأن تمنحها الراحة عندما تحتاج.

2. ضع حدودًا واضحة

تؤكد المعالجة سابا هاروني لوري على أهمية وضع حدود نفسية عند تقديم الدعم، قائلة: “يجب أن تعتني بنفسك كما تفعل مع الآخرين، وهذا يعني أن تعرف متى تقول لا”.
الحدود لا تعني الأنانية؛ بل هي وسيلة لتنظيم الطاقة العاطفية، حتى لا تفقد توازنك النفسي.

3. تواصل مع من تحب

تشير الدكتورة ألبرز إلى أن التواصل مع الأهل والأصدقاء أو المعالج النفسي يمكن أن يكون وسيلة فعالة للتنفيس عن المشاعر وإعادة التوازن النفسي. الحديث عن مشاعرك بصدق يساعد على تجاوز الإرهاق وتجديد الطاقة.

4. خذ خطوة للوراء

اسمح لنفسك بالابتعاد مؤقتًا عن مصادر الضغط العاطفي، وامنح نفسك فرصة لتجديد الطاقة واستعادة الهدوء.
تقول لوري: “املأ فنجانك أولًا قبل أن تحاول ملء أكواب الآخرين”. لا بأس في أن تأخذ فترات راحة لتستعيد قدرتك على العطاء.

5. مارس الرعاية الذاتية

الاهتمام بالنفس ليس رفاهية؛ بل ضرورة للحفاظ على التوازن العاطفي. ويمكن أن تشمل الرعاية الذاتية:
  • تناول طعام صحي بانتظام.
  • الحفاظ على ترطيب الجسم.
  • النوم الكافي.
  • ممارسة التأمل أو الأنشطة الهادئة.
  • ممارسة الرياضة لتحسين المزاج وتنشيط الجسد.

في النهاية التعاطف قيمة إنسانية عظيمة، لكنه يصبح عبئًا حين يتجاوز حدوده الطبيعية. فأن تكون متعاطفًا لا يعني أن تحمل أوجاع الآخرين على كتفيك؛ بل أن تدركها وتقدرها دون أن تفقد نفسك داخلها. التوازن هو سر التعاطف الصحي، ومن خلاله فقط يمكننا أن نكون عونًا لأنفسنا ولمن نحب.

الرابط المختصر :