فكثير من الأبناء يسمعون بعد تحقيق معدلات عالية عبارات مثل: كان بإمكانك أن تتحصل على علامات أفضل، ما يجعل بعض المتفوقين يعيشون تحت ضغط دائم، وأي تراجع، ولو طفيف، يعدونه سقوطًا وفشلًا، ومع مرور الوقت، يصبح النجاح نفسه عبئًا نفسيًا، بدل أن يكون دافعًا إيجابيًا.
المقارنة تصنع من المتفوق فاشلًا
لا يتوقف الأمر على المتفوق ذاته، أو على أسرته فقط، بل يلعب المجتمع والبيئة المحيطة ككل دورًا محوريًا في تكريس هذا الشعور، حين يتحول التفوق إلى واجب لا إلى إنجاز استثنائي، فإن الطفل أو المراهق يعتقد أن الحب والاعتراف مرتبطان فقط بالعلامة الكاملة، وليس بالمجهود المبذول، حتى مواقع التواصل الاجتماعي، تساهم مؤخرًا في تعميق هذه الثقافة التي حولت النجاح الدراسي إلى ساحة مقارنة مستمرة، فبمجرد إعلان النتائج، تمتلئ المنصات بصور المعدلات الأسطورية، وقصص الأوائل، والتعليقات التي تضع سقفًا مرتفعًا جدًا للنجاح… وهكذا يشعر المتفوق الذي حقق نتيجة ممتازة بأنه أقل قيمة، فقط لأنه قارن نفسه بمن حقق نتيجة أعلى بقليل.
عندما يكون التحدي هو النجاح وليس التفوق
في المقابل، نجد تلاميذ آخرين يعيشون فرحة حقيقية بمجرد النجاح أو الانتقال إلى مستوى أعلى. إن هؤلاء يقيسون الإنجاز مقارنة بظروفهم الخاصة، لا مقارنة بالآخرين فقد يكون النجاح بالنسبة إلى أحدهم انتصارًا على صعوبات عائلية أو نفسية أو مادية أو صحية. لذلك، يحتفل به بكل عفوية وامتنان، حتى وإن كان المعدل متوسطًا. وهنا يظهر الفرق بين من ينظر إلى النجاح كرحلة وتطور شخصي. ومن يراه سباقًا لا يقبل سوى المركز الأول.
أن أخطر ما في هذه الظاهرة، هو أثرها على الصحة النفسية للمتفوقين. فالإحساس الدائم بعدم الرضا قد يقود إلى القلق المزمن، واضطرابات النوم، وفقدان الثقة بالنفس، وحتى الاكتئاب. كما قد يدفع بعض التلاميذ إلى الانهيار عند أول تعثر حقيقي. لأنهم لم يتعلموا تقبل النقص أو التعامل مع الفشل الطبيعي في الحياة.”
النجاح الحقيقي لا يقاس بالأرقام وحدها
فدور الأولياء لا يقتصر على تشجيع الأبناء على التفوق. بل يمتد إلى غرس ثقافة تقبّل الخطأ والنظر إليه باعتباره جزءًا طبيعيًا من رحلة التعلم والنمو. فالإشادة بالاجتهاد والمثابرة، بدل التركيز على العلامة النهائية فقط، تساعد الأبناء على بناء شخصية متوازنة وأكثر قدرة على مواجهة التحديات. وتمنحهم دافعًا للاستمرار في النجاح دون أن تتحول النتائج الدراسية إلى عبء نفسي أو معيار وحيد لتقدير ذواتهم.
وبين من يكتفي بالنجاح ويحتفل به بكل رضا، ومن يرى في كل نقطة مفقودة إخفاقًا يستحق الحزن. تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح داخل الأسرة والمدرسة. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بالأرقام وحدها، بل بالجهد المبذول، والتطور الشخصي. والقدرة على التعلم دون أن يدفع الطالب ثمنًا نفسيًا باهظًا.
وعندما يتعلم الأبناء أن قيمة الإنسان لا تحددها علامة على ورقة امتحان. يصبح التفوق مصدرًا للثقة والسعادة، لا سببًا للقلق والخوف من عدم بلوغ الكمال.




















