لاشك أن الاستغلال الجيد للموقع الجغرافي المميز لكل بلد يسّر قديمًا الكثير من جهود إنشاء الصلات التاريخية المتعددة في مختلف الاتجاهات. وأتاح تأسيس مدن كبرى تفاعلت مع الحضارات المجاورة ومع تلك التي نشأت قريبة منه أو بعيدة عنه.
بينما أسهم هذا التداخل الحضاري في اكتساب الثراء الفني التشكيلي وفنون العمارة والتصميم المعماري. ومختلف الحرف الفنية؛ بما سمح بتكوين إرث حضاري كبير.
ومن المعروف أن العرب منذ أن خرجوا من شبه الجزيرة العربية لم تكن لهم دراية بالفنون التشكيلية. ولكن إذا قسنا العمل الفني بقدر ما يحتوي عليه من قيم جمالية لا بمصدره أو مأخذه فإننا نستطيع القول إن الفنون الإسلامية مهما تنوعت مصادرها أو اختلفت البقاع والعصور التي ازدهرت فيها أو الظروف التي أحاطت بها. فإنها في جملتها فنون شعوب عربية تنتمي إلى عقيدة واحدة، شعوب جمعتها وحدة اللغة، ووحدة التفكير. وترمي إلى هدف واحد، وتستمد كيانها من إلهام واحد: هو الإسلام.
في حين أدى تنشيط الفنون لأغراض الإنشاء والتعمير إلى اشتعال المنافسة الحضارية بين الشعوب التي استضاءت بالإسلام في حدود طبيعة فنون كل إقليم. وجرى تبادل السلع والصنّاع المهرة للارتقاء بكل الفنون التي اهتم بها الإنسان لسد حاجياته في الحياة دون النظر إلى غرض من أغراض الدعاية.
وأكسبت هذه المنافسة الفنون الإسلامية طابعًا قوميًا موحدًا، يتسم بسحر الجمال وسعة الخيال في استنباط وابتكار عناصر زخرفية لا مثيل لها في الفنون الأخرى. ولا عهد للفنانين غير العرب بها.
ولا يعني ازدهار الفنون الإسلامية استخدام الفنون في إحياء الطقوس أو نشر العقيدة الدينية كما كان يفعل أصحاب الديانات الأخرى عندما استخدموا فنون التصوير التشكيلي والنحت منذ بداية التاريخ لتعزيز عقائدهم في أماكن العبادة. أو الأدوات التي كانوا يستعملونها في إحياء طقوسهم، بل كان ازدهارًا يرتكز على تنشيط الأعمال الفنية لأهداف التعمير. مع التقيد بتجنب تصوير الكائنات الحية أو ما من شأنه أن يبعث في اعتقادهم بوجود تدخل في العقيدة الدينية. خشية الانزلاق إلى تقليد فنون الوثنيين.
الفن هو لسان الحياة، والدليل الناطق عليها، فأينما وُجد الإنسان على سطح الأرض وُجد الفن معه. وللفنون صنوف ومظاهر متنوعة، وبدأت أول الأمر لسد حاجة الإنسان في حياته المعيشية، ثم تطورت لتؤدي دورها في تربية الذوق السليم وإشاعة البهجة في النفوس. إلى أن أصبحت ضروبًا من التعبير الروحي والوجداني والعقلي لتنظيم العلاقة بين الناس بما يكفل الكمال والانسجام بينهم.
ليس من الصعب العلم بأن حضارة وفنون العرب إن اختلفت فإنما يكون اختلافها باختلاف الأقاليم التي انتشرت بها. ولكن هذا لا يعني صحة ادعاء من يقولون مثلًا: “ن عمارة المساجد في القاهرة تشبه أبنية المصريين القدماء”. فعلى الرغم من التباين الواضح بين عناصر البناء الفرعوني والبناء الإسلامي ليس هناك ما يدل على وجود اقتباس أو وجه شبه بينهما.
علاوة على أن البناء العربي في مصر لا يخضع لطراز واحد، فمنه الطراز العباسي ـ الأيوبي، والفاطمي، والمملوكي، ثم الطراز التركي. ولكل منها سماته ومميزاته، كما لا يمكن أن نغفل المصدرين الأولين في فن العمارة العربي. وهما: البناء البيزنطي والبناء الفارسي كخطوة أعقبها نمو مستمر لطرز مستقلة.
وكان من أهم نتائج انتشار العرب دخول الأمم الكثيرة في الديانة الإسلامية. وتنافس الحكام في شتى الولايات وتسابقهم في التعمير وإنشاء المدن وتشييد الحصون والسدود والقناطر. وبناء المساجد والمدارس والقصور؛ ما أدى إلى تكوين طرز عربية مبتكرة تجمعها وحدة الدين. وكانوا يحترمون آثار الأقاليم التي فتحوها، كما استطاعوا الرقي بها تدريجيًا إلى أن بلغوا بفنون العمارة أرقى ما بلغته الشعوب العريقة في الحضارة.
كشف العرب عن قدرة كبيرة على استساغة الفنون والتدرب عليها وإجادتها. ومن هذا يمكن ملاحظة أن التطور والابتكار نتجا عن انتقال الأساليب والأنماط التي مارسها العرب من إقليم إلى آخر. وأدى تطور الأحداث السياسية والاجتماعية وانتشار ممارسة الصنّاع العرب هذه الحرف والصناعات الفنية ومزجها والتوليف بينها إلى تشابهها في جملتها. وأصبح من العسير على غير الخبراء تمييز مصادر تفاصيلها الدقيقة، وظل فن الرسم والتصوير في الإسلام متشابهًا. إلا أن مدارسه وطرزه كانت لها مميزات يمكن التعرف عليها بالمقارنة.
بينما أدت الفتوحات الإسلامية إلى انتشار لسان العرب في البلاد التي دخلوها. وكان للكتاب شأنٌ كبير في انتشار فنون الرسم والاهتمام بالخط العربي وأساليب الزخرفة المبتكرة. وهو ما أخرج هذه الفنون من حالة الجمود التي كانت عليه إلى نوعين: الخط الكوفي بالعراق، وخط النسخ.
كما احتل الخطاطون أرفع مكانة منذ القرن السابع الميلادي وهو بداية التاريخ الإسلامي، وكان يتم صنع الزخارف الملونة، والهندسية والنباتية بعناية فائقة وإفراط في تنويعها. بجانب تجويد الخط وإبداع رسم الحروف بمرونة وليونة واسترسال بعد أن كانت تكتب من قبل على شكل مربعات ومضلعات تميل إلى الجفاف والجمود.
وأمكن استغلال الخط الكوفي في تركيبات هندسية، عمودية وأفقية، ثم أضافوا إليها زخارف محوّرة من أشكال أوراق الشجر تخرج من سيقان الحروف. أو تكون بمثابة أرضية أو خلفية للكتابة التي تعلوها على سطح الأحجار في أبنية المساجد، ثم نجد الخطاط بعد أن تهيأت له القدرة على قوة التعبير وجمال التوزيع يعمد إلى الإفادة من طبيعة المساحة التي تشغلها الكتابة.
عرف العرب تغليف الكتب بالخشب المغطى بالجلد بطريقة الضغط أو الدق عن أقباط مصر ونشروه في الأقاليم الإسلامية. حتى تفوقت صناعة الكتب العربية في القرن التاسع للهجرة على غيرها من الكتب ثم كان لها تأثير واضح في صناعة التجليد بأوروبا منذ العصور الوسطى. إذ اشترك المصورون والرسّامون مع صنّاع الجلود في زخرفة الكتب بعناصر هندسية ونباتية مع الرسوم الجميلة.
وفنون الزخرفية العربية بطبيعة تكوينها وتركيبها تعتبر أمثلة بارعة من الفن التجريدي، واستعان المزخرفون بصور الحيوان والطيور الخرافية لأغراض زخرفية أو لغاية نفعية دون أن تكون مقصودة لذاتها أو الاستعانة بها كرمز. والتكوين الهندسي والنباتي من العناصر الأساسية في الزخرفة العربية، ويعتبر الطراز الأموي حلقة الاتصال بين الزخارف النباتية القديمة وما تطور عنها في الفنون الإسلامية التي اصطُلح على تعريفها فنيًا باسم “أرابيسك”.
وهي الزخارف المؤلفة من الحروف الأبجدية أو التكوينات الهندسية أو من تحوير الزهور وفروع النباتات وجذوعها وأوراقها إلى أشكال متشابكة. ومتكررة ذان تكوينات مبتكرة مليئة بالحركة والحيوية، واستُخدمت هذه الزخارف كأداة تزيين للمصاحف والمخطوطات والمنسوجات الفاخرة والأبسطة والسجاجيد والجلود. والحفر في الأحجار والخشب وأشغال التطعيم بالعاج والأبنوس، وصناعة الزجاج والخزف والتحف المعدنية.
فيما برع الفنان العربي في هذه الزخارف براعة لم يسبقه إليها أحد، بل لم يجاره فيها فنان آخر. وانتشرت في كل البلاد التي دخلها الإسلام أو انتقلت اليها عن تجارة الجمهوريات الايطالية. مثل: جمهورية البندقية، أو عن طريق تركيا وامتداد سلطانها في بلاد البلقان وجزر الأرخبيل أو بعد فتح الأندلس.



















