ارتبطت أشكال التعبير الفني منذ القدم بطبيعة تصورات الناس لحياتهم. فابتدع الفنان الشعبي ما يتناسب مع تلقائيته وعفويتيه من تكوينات هندسية وحيوانية ونباتية مستمدة من البيئة الطبيعة المحلية.
ارتبط الفن الشعبي منذ القدم بدلالات البيئة ذات العلاقة بطبيعة المنشأ. وبمستوى الأفكار والوجدان الشعبي والتصورات السائدة والاعتقادات الشائعة والأساطير والحكايات المتداولة. فحدث التأثير المتبادل بين مدد الخزّان الرمزي الشعبي، وبين إثراء التجربة الحرفية والفنية في ترقية القيمة التعبيرية للفن الشعبي. لذلك أصبح الفن الشعبي تعبيرًا صادقًا عن الهوية الثقافية لأنه ناقل للقيم الجمالية المجتمعية المنبثقة من خلال تقاليد أصيلة.
استخدم الفنان الشعبي قديما الأشكال البدائية في معماره واهتم بتزويق جدران البيوت والأبواب. وصمم لها لوحات أقرب إلى الجداريات متطورة عن النقوش في معابد الحضارات القديمة. ثم جاء ظهور ليعلن عن ممارسة جديدة للفن. لم يعرفها التراث الفني فساعدت اللوحات الفنان الممارس على التعبير الفني مستغلًا في البداية التنوع الديني. بين العلامات الإسلامية والرموز المسيحية التي مزجها بالسمات الأساسية المحلية. ثم بالخصائص والميزات الإقليمية وبالأبعاد القارية وقد غلب عليها البعد الزخرفي .
كما شملت التعبيرات الفنية محامل مختلفة كالمنسوجات والخزف والخشب. ما سمح بتنويع الممارسات الفنية من حفر وتلوين ونحت. ما شكل إرثًا جماليًا هامًا للفن الشعبي وخلفية جمالية. صارت تعبر عن الرؤى الذاتية للفنان. بغرض التواصل مع الآخرين من خلال التجربة الإبداعية. ومن أهم ملامحه الرسوم الرمزية، الأشكال الهندسية، والتكوينات اللونية.
لذلك يمكن ملاحظة أن طبيعة البيئة الثقافية فسحت المجال في البداية أمام التأثير الواسع لأسلوب المدرسة الانطباعية. على المستوى التعبيري التلقائي العفوي. خاصة في البيئات المحافظة التي برغم أنها كانت تؤدي إلى تثبيت الجمود إلاأنها اتجهت إلى إلغاء النزعات النقدية.
ولكن هذا في الحقيقة أدى إلى تشتت المعطيات وغيابها نسبيًا وعدم ادراجها في البحوث التاريخية الدقيقة بالقدر الكافي من الوضوح. والبروز إلا في القليل من الحالات في بعض المجتمعات المتأثرة بالعلاقات مع المسيحيين فذهبت إلى تصوير قصص الإنجيل. كما تفاعلت مع مآثر المنمنمات التركية والإيرانية في الأضرحة والبيوت بعدما لم يأبه الناس كثيرا لتحريمها. أو أنهم كانوا لا يرون سببًا للتحريم خاصة وأنها كانت مجموعة صور تبعث على الفخر والاعتزاز لمعارك وفتوحات تمجد مواقف ووقائع تاريخية وبطولات شخصيات وطنية وعسكرية، مثل معارك حطين واليرموك والقادسية. وهذا انطلاقًا من إيمان الفنان بضرورة استحضار الأمجاد. وكانت البداية لانفتاح الفن الشعبي على التصوير التاريخي وبروز التيار الانطباعي بالرسم في الهواء الطلق عند زيارة الأحياء القديمة والأسواق الشعبية ذلك عندما تعمق فيها النفس القومي الذي جعله يقترب من حياة الشعب.
تأثر الفن الشعبي بالمظاهر الاحتفالية الصاخبة التي تصاحب عادة إقامة الموالد. في المجتمعات الريفية والبدوية والصحراوية التي تدوم أيامًا. وفي تنظيم مختلف المناسبات والأفراح. ومنها رقصة الأحصنة وسباقات الخيل ولباس الفروسية وتسجيل طلقات البارود، وتصوير تحلق الرجال أرضا حول موائد الطعام، ولحظات مرح ولهو الصبيان، وانزواء الفتيات المراهقات بعيدا واستغراقهن في الغمز واللمز والتمتع بأسرارحديثهن الهامس . كلها أماكن للحياة الوديعة الهادئة يعيش فيها الفنان لحظات أصيلة تعكس مشاعر صادقة تتراقص أمامه فيستسلم منها لوحي نفسه فتلهمه من ذاتها أجمل الصور وأعذب المعاني. ليتفاعل معها في حساسية شعبية بمسحة انطباعية تقترب من الأسلوب الشاعري بفضل شفافية ألوانه.
اعترف الفن الشعبي في بعض المجتمعات ذات الكثافة المسيحية؛ ما أتاح اتصال الكنيسة بالمثقفين في أوروبا منذ منتصف القرن الثاني عشر. وكان أن جرى افتتاح مدارس الإرساليات الأوروبية والأمريكية لتدريس الفن الغربي وفنون الرسم والفن الأيقوني الذي اعتنى بتزيين الكنائس، واستفادت الكنيسة الشرقية من تأثيرات الفن الإيطالي على يد القساوسة والرهبان. وفي مطلع القرن الثامن عشر نشأت المدرسة الحلبية للفن الأيقوني مع الحرص على التمسك بالقيم والتقاليد المحلية.
كان الاتجاه يجمع بين الحداثة والفن الأيقوني والخط التراثي ورسم القصص من الإنجيل. وأشعار المتصوفة. ويبين تاريخ الفن المصري والتدمري في القرنين الثالث والرابع الميلادي مدى التلاحم والتمازج بين فنون المنطقة. من خلال ملاحظة خصوصية أسلوب النحت والتصوير والتشكيل عبر جداريات فسيفسائية وأيقونات مستمدة من البيئة ومن الشخصية المحلية. لذلك نقول بدأ الفن واقعيًا ثم تعبيريًا ثم تجريديًا ثم عاد واتجه إلى التشخيص بأسلوب تعبيري مستمدًا ثراءه من حضوره بشكل عفوي في حياة الناس. ولعل من أبرز إفرازات هذا الاتجاه الانتقال فن البورتريه إلى فن المناظر الطبيعية وهي سمة مرحلة الفن للأشخاص إلى مرحلة الفن للجمهور . ما أدى إلى ظاهرة العرض لتثبيت أقدام الفنانين في المجال الاجتماعي الواسع وتعزيز التواصل بين الفنان التشكيلي وجمهوره، وهو بهذه الصيغة فن شعبي .
أسهمت معرفة الفنان العربي باللغات الانجليزية والفرنسية والإيطالية في إجادة التواصل مع الفنانين والمثقفين الغربيين. فظهرت طائفة عريضة من الفنانين المثقفين الذين جمعوا بين الفكر والتقنية فتبلورت عن تجربتهم رؤية فنية وتشكلت بوادر الوعي بالبعد الحضاري العربي في الفن فكان التحديث الإبداعي. كما جاءت عملية التحديث في الفن التشكيلي منسجمة مع حركة الإبداع الحديث.
تحتل دول الوطن العربي موقعا جغرافيا هاما أتاح لها فرصة تكوين إرث حضاري كبير امتد في التاريخ القديم بين مصر وبلاد الرافدين وبلاد فارس والهند والصين. وشهدت منذ آلاف السنين ظهور مدن كبرى تفاعلت مع الحضارات التي نشأت قريبة منها .
وأسهم التداخل الحضاري في إكساب هذه المنطقة ثراء فنيًا كبيرًا وتنويعات فنية عديدة ارتبطت بالخط العربي وبفن المعمار والحرف الفنية. فامتزج التنوع الجمالي بحضور البعد الوطني ومنه جرى الإعلان عن ولادة فن اللوحة. وعن بداية ممارسة جديدة للفن لم يعرفها التراث الفني. فكانت هذه المناسبة هي الفرصة المواتية للفنان للمشاركة في بناء الحركة الفنية.















