كلما عرفنا أكثر دور الغابات في حفظ سلامة بيئتنا، زاد إدراكنا أن انعكاس مخاطر تدميرها على حياتنا أعظم وأفدح. القليل جدًا من نداءات المحافظة عليها وجد بعض الاستجابة إذ يبدو أنه لا تزال الكثير من الغابات تتعرض للتدمير بشكل يدعو القلق ويثير الانشغال، والمعاينات الميدانية تؤكد أن تقلص مساحاتها أصبح يبعث على الخوف.
تعلمنا في المدارس أنه مع انبلاج نور الفجر الباكر، ومع بزوغ أشعة الشمس الأولى تستيقظ الأشجار ويبدأ كلوروفيل أوراقها في أداء وظيفة التركيب الضوئي. فهي تستخدم ضوء الشمس من أجل تحليل جزيئات الماء لتدمج الهيدروجين بثاني أكسيد الكربون الممتص من الهواء. وينتج عن ذلك هيدروكربونات تحوّلها الأشجار إلى سكريات تحتاج إليها لتتنفس وتقتات.
أما ” النفايات ” الناتجة عن هذه العملية فهي غاز الأوكسجين الذي ينطلق في الهواء، إنه الغاز الحيوي لكل كائن حي وهو الذي يرفع الرطوبة التي نشاهدها في الغمام الذي يغطي المساحات الغابية الخضراء.
إنه فعلًا منظر ساحر يمتد أمام الناظرين، مشهد غمامة فضية اللون تغطي بحر الخضار الكبير على امتداده تستفيق معها كل أنواع الطيور المغردة لتعزف سيمفونية الحياة بأعذب الألحان التي تأخذ الألباب.
تلك حقيقة ثابتة منذ سنة 1774م، عندما اكتشف الكيميائي البريطاني جوزف بريستلي، فأرًا كان قد انحبس تحت وعاء مقلوب شبيه بالجرس لم يمت مختنقًا؛ لأن نبتة نعناع محبوسة معه كانت تمده بالأكسجين.
وعلى الرغم من معرفة كل البشر بحقيقة أن الشجر يمتص ثاني أكسيد الكربون ويبث الأوكسجين، فإنهم غير مقدرين كما يجب هذا الدور الذي يؤديه الشجر فيجعل الأرض مكانًا ملائمًا للعيش.
فالقضاء المتزايد على مساحات واسعة من الغابات بدعوى توفير مساحات من الأراضي لزراعتها أو استعمال خشب الأشجار وقودًا لا يمثل تهديدًا بخفض نسبة الأكسجين. ذلك الغاز الحيوي في الهواء فحسب. بل وفي مضاعفة غاز ثاني أكسيد الكربون، الناتج عن احتراق الأشجار الجافة المكونة من نصف وزنها كربون مخزون، وحين تتلف يتحرر من جديد معظم هذا الكربون.
ولكن في المقابل ثمة أدلة علمية على أن الغابات الاستوائية تستغل فرصة ازدياد الكربون في الجو لتزيد هي من امتصاصها هذا الكربون. وتسمى هذه العملية “التسميد الكربوني”.
والتقديرات تشير إلى أن وزن ما تمتصه غابة الأمازون المطيرة من الكربون الزائد نحو 1.3 جيجا طن في السنة (1جيجا طن = مليار طن)، أي ما يساوي تقريبًا مقدار الغازات الزائدة بفعل قطع وحرق الأشجار في السنة.
ثمة نواحي أخرى تحفز على حماية الغابات، فهي تأوي أكثر من نصف أنواع الحيوانات والطيور والحشرات في العالم. كما أنها مصدر معظم أنواع الأطعمة والأدوية الحديثة. وهي تعيل مئات الملايين من فقراء البشر.
وكلما اكتشف العالم حقيقة التأثير الإيجابي لدور الغابات في تحسين البيئة والمحيط، بدت مخاطر التضحية بأشجارها أفدح.
تنظم الغابات تدفق المياه، وتقلص مخاطر الفيضان والجفاف، وكان الأقدمون يعرفون هذه الحقيقة منذ أقدم العصور ويعلمون أن الغابات تزيد من هطول الأمطار، وأما قطعها فيقلصه.
ويؤدي قطع الأشجار إلى تقليص انتاج الأكسجين وبخار الماء، وهذا يؤدي إلى قلة المطر، ويبدو أثر ذلك في المناطق الزراعية. ففي جنوب البرازيل وشمال الأرجنتين والبارغواي، تعتمد رطوبة الرياح الأطلسية على الغابة المطيرة “الأمازون”.
وهذه الرياح تدخل البرازيل من المحيط الأطلسي وتتشبع رطوبة من غابة الأمازون. ثم تنحرف جنوبًا بفعل اصطدامها بجبال “الأنديز” حاملة معها المطر الغزير.
وثمة أدلة أيضًا على أن الغرب الأوسط في الولايات المتحدة يستمد ماءه من المصدر نفسه، غابة “الأمازون”، بفضل الرياح المتجهة منها شمالًا.
ويؤكد فريق بحث روسي أن الغابات وليس الحرارة هي جالبة الرياح الأساس. على اعتبار أن الضغط الجوي ينخفض عندما يتحول الماء من بخار إلى مطر. وهذا يعني أن النظام البيئي الذي ينشئ المطر يُحدث أيضًا الرياح التي تدفع هذا المطر إلى المناطق التي يسقيها.
لذا؛ فاختلال هذا النظام يؤدي إلى عواقب خطيرة، وإذ لا ينفي تعرض نتائج البحث الروسي لبعض الجدل فالحقيقة أن حماية الغابات على الصعيد المائي وحده أمر ضروري.
ما زال ما يقارب 4 مليارات هكتار تغطيها الغابات، وهي تمثل 31% من مساحة اليابسة، وثُلث هذه المساحة فقط غابات مطيرة. أما الباقي فكثير منه في حالة سيئة. مع العلم أن منظمة الأغذية والزراعة الدولية “الفاو” تصنف الغابة على أنها الأرض التي يغطي 10% فقط من مساحتها أشجار.
إن ما يقرب من نصف الغابات الباقية لنا تقع بين المدارين، ومعظم هذه الغابات مطيرة. وهي بكل المعايير أنفس وأثمن الغابات. ويقع نحو ثلث الغابات المطيرة بالبرازيل، معظمها في حوض الأمازون.
ويقع خُمس الغابات المطيرة بالعالم في الكونغو وإندونيسيا، أما المنطقة الثانية من الغابات أي ثُلث مجموع المساحة المشجرة الباقية في العالم فهي بالمناطق دون القطبية الشمالية. وتسمى “التايغا” في روسيا وإسكندينافيا وفنلندا وكندا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية جزء صغير منها.
وفي المناطق المعتدلة المناخ يقع نحو 11% من الغابات. ومعظمها في الولايات المتحدة التي دمرت نصف غاباتها الشاسعة في القرن الميلادي التاسع عشر. وكذلك في أوروبا والصين، وقطعت أوروبا نصف غاباتها في القرون الوسطى، ولكنها عادت بعد نهاية كارثة الطاعون الأسود عام 1350 في المنطقة المعتدلة إلى النمو من جديد.
وتشهد الصين وأمريكا، عملية إعادة زراعة 7 ملايين هكتار سنويًا، حسب أرقام “الفاو”. المشكلة الآن هي في المجزرة التي تحدث بين المدارين في المنطقة الاستوائية.
حيث تقلصت غابات هذه المناطق على مدى العقود الستة الماضية، بنسبة 60%. وثلثا المساحة الباقية مجزأة، وغير متصلة، وهذا يجعلها عرضة لمزيد من خطر التدمير.
وما تزال وتيرة تقطيع الأشجار مثيرة للمخاوف فبحسب تقديرات منظمة ” الفاو” أن 13 مليون هكتار من غابات العالم أي ما يعادل مساحة إنجلترا تقطع كل سنة. كما هو الشأن في روسيا التي قطعت 144 ألف كيلو متر مربع من مجموع غاباتها خلال خمس سنوات فقط.
اشتدت حملات التوعية ونشاطات الجمعيات الحكومية وغير الحكومية الداعمة لحماية الشجر من مختلف الأخطار كالتقطيع غير الشرعي والحرائق وتأثير الجفاف.
وبلغ النفير أشده في سنوات التسعينيات الماضية بمسألة قطع الغابات تحديدًا. بعدما تجاوزت مساحة الغابات المقطوعة 16 مليون هكتار سنويًا. فتباطأت عملية قطع الأشجار، بسبب تقليص عدد رخص قطع الأشجار في أكبر منطقتين معنيتين بالأمر في العالم: البرازيل وإندونيسيا.
وأصدرت البرازيل مراسيم لحماية 500 ألف كيلو متر مربع، من غابات الأمازون الاستوائية. وأشار تقرير حديث للمعهد الملكي للشؤون الدولية، وهو منتدي فكر بريطاني، إلى أن قطع الغابات غير الشرعي قد تقلص كثيرًا في السنوات الأخيرة في كل من البرازيل وإندونيسيا والكاميرون.
كما أولت بلدان أخرى اهتمامها بالأمر، مثل “كوستاريكا” التي كانت تفقد 4% من غاباتها كل سنة، ولكنها الآن أوقفت قطع أشجار غاباتها تمامًا مع تزايد جهود وسائل الإعلام لتنظيم الحملات الخاصة بتنمية الوعي.
وأعلنت شركات الخشب الكندية، أنها تعمل بالتعاون مع منظمات الخضر في مهمة. من أجل تحسين إدارة 72 مليون هكتار من الغابات القطبية في كندا.
ويرى بعض المتشائمين أن الحديث عن التحسن النسبي لوضع الغابات مبالغ فيه وغير كاف، وأشاروا إلى الخطر الأول وهو التغير المناخي الذي قد يتسبب في إعادة رسم خريطة النظام البيئي في الغابات. مثل غابات المنطقة دون القطبية، التي تتقلص مع ذوبان الثلوج نحو الشمال. والذي سيطلق مليارات الأطنان من الميثان. وهو من الغازات الدفيئة الشديد التأثير في الاحتباس الحراري.
ومن جهة أخرى فإن تعاظم التسميد الكربوني، الذي سيؤدي إلى نمو غابات فنلندا بوتيرة أسرع 44%، سيؤدي إلى زيادة الجفاف وانتشار الحرائق وتكاثر الحشرات الضارة. لذلك؛ فما تكسبه فنلندا من غابات ستخسر أكثر منه في مناطق أخرى.
وتوحي بعض الدراسات بأن الوضع في الأمازون أيضًا خطير نتيجة ارتفاع الحرارة والجفاف والحرائق وقد يبلغ حالة “التحوّل الخطر”، لتصبح معه المنطقة غير قابلة للعيش. وحتى الآن قُطع من الغابة في الأمازون 18% من مساحتها، وتؤكد دراسة للبنك الدولي أن فقدان 2% أخرى من مساحة غابة الأمازون سيفتح مسارًا للجفاف وسيتوسع، وسيقلص ارتفاع الحرارة مساحة الغابة إلى نصفها.
الخطر الثاني المحدق بالغابات هو الخطر البشري، فزيادة التعداد البشري خلال العقود الأربعة القادمة سيضاعف الطلب على الغذاء لسد حاجة حوالي 3 مليارات نسمة إلى الطعام.
وفي البلدان ذات الإنتاجية الزراعية المنخفضة، يجري اللجوء إلى قطع الأشجار لتوفير المساحات الصالحة لزراعة الأرض.
إن قطع الأشجار في بلدان وسط إفريقيا، كما هو في الكونغو أصبح محدودًا الآن. وذلك مع ارتفع مستوى الوعي بأن الغابات تساعد بشكل كبير على صيانة البيئة وإثرائها بمختلف أنواع النباتات والحيوانات. وعلى تنظيم أنماط مأمونة لحيازة الأرض.
وأيضًا مع ضمان الاعتراف الكافي في القوانين والتشريعات الوطنية بحقوق واحتياجات المجتمعات الأصلية والمحلية المعتمدة في حياتها على الغابات. والتوجه الحالي في مختلف بقاع العالم يرمي إلى إيجاد مناخ اقتصادي دائم. يُسهّل الإدارة المستدامة للغابات أي معالجة مشكلة الافتقار إلى الإدارة الرشيدة الحديثة. وإلى عدم كفاية السياسات الشاملة لعدة قطاعات. والتوجه نحو العمل على خلق القدرة على تشكيل بيئة تعالج تشوه الأسواق وتمنع تحوُل أراضي الغابات إلى استخدامات أخرى وذلك على المستوى الوطني والدولي.
تمثل الغابات في المملكة العربية السعودية نظامًا بيئيًا فريدًا في منطقة الحزام الصحراوي. برغم أنها تتربع على مساحة لا تتجاوز 221 ألف هكتار، أي بنسبة 0.1% من إجمالي مساحة البلاد البالغة، حوالي 2.5 مليون كيلو متر مربع.
وتتركز معظم الغابات بالمملكة في جنوبها الغربي. وعلى المرتفعات الشرقية من جبال السروات. ما بين الطائف شمالًا وجبال جازان جنوبًا. كما تنتشر غابات أخرى أقل مساحة وشأنًا من أشجار المانجروف على الساحل ما بين ضبا شمالًا، وحتى الحدود مع اليمن.
ويشكل شجر العرعر الإفريقي، ما نسبته 90% من الغطاء النباتي في الغابات الجنوبية إلى جانب غابات الزيتون البري. وبعض الأكسيات على المرتفعات. أما في الأودية فتنتشر أشجار السدر والإثل.
وتشكل هذه الغابات مصدرًا للعوائد الاقتصادية والبيئية. كما تمثل موطنًا لحيوانات ثديية كبيرة. مثل: البابون والذئاب والثعالب والضباع المخططة والنمس ذو الذنب الأبيض والوشق والوبر.
تعرضت غابات المملكة طوال القرن الماضي لخسائر جسيمة في غطائها النباتي. بفعل الاحتطاب والبناء والتدفئة وصناعة الأثاث أيضًا. وتقلصت مساحتها بفعل التمدد الصناعي والتوسع العمراني. وبسبب الرعي العشوائي واندلاع الحرائق.
كما تدهورت نوعية أشجارها في مواقع ساحلية بفعل تلوث المياه بالشواطئ وأعمال الردم البحرية.. ولمواجهة هذا الوضع بدأ الاهتمام بالحفاظ على الغابات منذ ثمانينيات القرن الماضي على كل المستويات. ونشطت الدراسات العلمية بالجامعات. ثم أُنشئت “الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها” عام 1986.
وأولت الدولة الغابات والمراعي الحماية والاهتمام الكبير من خلال عدد من الأوامر السامية والتشريعات والقوانين. لوضع اللوائح التي تضبط المخالفات لنظام الغابات والمراعي. كعدم جواز قطع الأشجار أو الإضرار بموارد الغابات.
وهذا انطلاقًا من القناعة الراسخة، بأن أهمية الغابات تمتد إلى أبعد من طبيعتها البيئية أو ضرورتها الاقتصادية. فهي المستودع الأكبر لمصادر أدوية العالم. لذلك؛ تمثل البيئة الخصبة للباحثين والعلماء لاكتشاف الأدوية الجديدة ذات الفاعلية الأكيدة في العلاج من الكثير من الأمراض.
وإلى وقت قريب لم يقم العلماء إلا بدراسة 11 ألف نبات فقط. وأن معظم الأدوية الفعّالة المتداولة في الصيدليات مصدرها هذه النباتات، هذا في انتظار انتهاء دراسة الخواص لأكثر من 265 ألف فصيلة نباتية تتواجد في الغابات المطيرة فقط.
والثابت أن ما لا يقل عن 40 ألف نوع من النباتات تكمن فيها خواص علاجية. والمؤكد حسب العديد من الباحثين المتفائلين أن يتم قريبًا الكشف عن علاج لمرضى الإيدز، والأنواع المختلفة من السرطانات.
إن ملايين البشر حول العالم قد أمكن إنقاذ حياتهم بفضل الأدوية المستخرجة من النباتات الغابية. مثل: الدواء المستخرج من نبات “العناقية” الذي ينتشر في غابات مدغشقر دون سواها.
بفضله أمكن رفع معدلات البقاء على قيد الحياة لدى الأطفال المصابين بسرطان الدم من 20% إلى 70%. كما أمكن استخلاص مادة طبية من عصارة نبتة غابية تعرف باسم “الفيريون القصير”. وتستخدم كدواء لسرطان الجلد غير الميلانيني. وتؤول الملكية الفكرية لهذا الدواء حاليًا إلى شركة دواء أسترالية تدعى “بيلين”.
كما نجح فريق علمي صيني في استخلاص مادة فعّالة من أوراق نبات غابي يدعى “كوينجهاو” واستخدموها في إعادة الوعي لدى مصابين بالغيبوبة الناتجة عن الإصابة بالملاريا المخية المتقدمة. وقد قام علماء الغرب بتطويرها وصارت تعرف بـ “أوتميسنين”.
ومثال آخر، فقد استطاع فريق علمي ياباني من كلية الصيدلة بـ”كيوتو” من اكتشاف أسرار دوائية لعشبة كانت تستخدم قديمًا في الطب الشعبي الهندي. استخرجوا منها مشتقة سكرية تحوي عنصر الكبريت. ولها بناء خلقي مضاعف فريد من نوعه، وأمكن تجريبها لتقليل سكر الدم.


















