كثير ما تعرض علينا أفلامًا تدور بعض مشاهدها داخل أسواق الأوراق المالية “البورصة” وخلالها يشاهد أطفالنا أحداثًا متسارعة؛ حيث يرون السماسرة وممثلي كبار المتعاملين يقومون بعمليات الشراء والبيع للسندات والأسهم، ويسمعون أصواتهم العالية المتداخلة وصراخهم بعصبية ولا يفهمون بالضبط ماذا يحدث، إنهم لا يعلمون حقيقة ماذا يعني كل هذا، لكن فضولهم يؤكد لهم أنه أمر مثير للغاية!
صبحة بغورة

ولن يكون بمقدور الأطفال في مثل هذه الظروف المضطربة فهم آلية أن يربح البعض داخل هذه السوق أموالا طائلة في ثواني وأن يخسر في المقابل آخرون جزءًا كبيرًا مما يملكون من مال في نفس اللحظة.
لاشك أن الأطفال قد اطلعوا على ما يفيد حجم استهلاك أسرتهم من الماء والكهرباء والغاز وعلموا أنها مسجلة في “فواتير” تتضمن أيضًا القيمة المالية مستحقة الدفع التي تمثل الثمن مقابل ما استهلكوا خلال مدة زمنية محددة. لقد فهموا إنها طريقة معتادة تتبعها مصالح الدولة لتبليغ المواطنين، وأدركوا إنها احدي قواعد التعامل التي يكون أساسها المال، وعرفوا العلاقة بين حجم الاستهلاك وقيمته بعد ملاحظة أن قيمة الفواتير المتتابعة ليست على نفس القدر، إنها مناسبة طيبة؛ حيث سيمكن وقتها للوالدين استغلال الفرصة لتفسير أن القيمة المالية المسجلة بالفاتورة مربوطة بحجم الاستهلاك ومن ثمة يمكنهم أن يبلغوا الرسالة بضرورة ترشيد الاستهلاك بحجم أقل فذلك يعني فاتورة بقيمة أقل.. وسيمكن توجيه الفارق لاقتناء أغراض أخرى يحبهاالأطفال.

عندما يصحب الوالد أطفاله إلى السوق سيلاحظون أن الأسعار مكتوبة بجوار السلع المعروضة للبيع. وقد يجدون غرابة عندما يقارنون بينها، سيجدون تاجر يبيع سلعة ما بثمن وبائع آخر ليس بعيد عنه يبيع نفس السلعة بسعر مخالف، أقل أو أكثر.
وقد يلاحظون أن الاختلاف في القيمة قد يكون مرجعه افي بعض الحالات اختلاف في الجودة وفي بعض الخصائص، ويمكن أن تصدمهم المفاجأة؛ ثم يتساءلون مستغربين ذلك عندما يجدون أن ذات السلعة قد ارتفع ثمنها بعد مرور أيام قليلة فقط، وربما عرفوا أن الأمر يتعلق بالندرة أو بارتفاع أسعار شرائها من الفلاح أو من سوق الجملة، سيدركون أن لعملية تحديد أسعار السلع آلية أخرى.
التضخم النقدي المتواصل لا يترك مجالًا للشكوى، إنه يعني زيادة الكتلة النقدية بشكل متسارع في السوق الداخلية عن معدلات الانتاج السلعي، أي إن اصدار العملة وطبع النقود قد جرى دون أن يقابلها انتاج؛ لذلك فهو السبب المباشر لتآكل الكتلة النقدية ولفقدان قيمتها. وسيتساءل الأطفال لماذا اختفت العملة التي كانت ورقية بين أيديهم ثم تحولت إلى عملة معدنية؟ أو لماذا صارت العملة التي كانت تحمل مثلًا العدد عشرة لم يعد في مقابلها الشيء الكثير الذي يمكن شراؤه كما كان الأمر في السابق؟
سيدرك حينها الطفل أن قيمة ما كان لديه من مدخرات في الحصّالة أصبح لا يكفي لاقتناء ما كان يريد شراءه في قادم الأيام، سيضطر للانتظار أيام أخرى لعله يتدارك الفارق من مصروفه اليومي، وهنا يبدأ يتبلور في نفسه مفهوم التقشف فيتجه سلوكه طوعيا إلى كبح جماح نفسه ثم يتشكل لديه ميل إلى ترشيد المصروف وعدم التبذير.. فهل بدأ الطفل يستوعب معنى الاقتصاد؟
ويحدث نتيجة زيادة التضخم النقدي أن تنخفض القيمة السوقية للعملة وهنا يكتشف الطفل أن الرقم مائة لم يعد يساوي أكثر من خمسين مقارنة بأسعار السلع.
إن أولى خطوات الطفل لفهم حقيقة الاقتصاد هي أن يكون قادرا بنفسه على ترتيب الأولويات وأن يجيد التمييز بين الأساسيات من الأمور والضروريات من المشتريات والكماليات أوالثانويات من الاحتياجات ، وأن يتقن مهارات الاقتناء بربط نوع مشترياته المطلوبة بواقع حالته الاجتماعية وبطبيعة الظرف الزمني، فعلى سبيل المثال لا يتمسك بشراء ملابس شتوية في فصل الصيف!

لم تتوقف الدعوات إلى ضرورة إدخال أجهزة الكمبيوتر والتابلت في الصفوف المدرسية وإلى أهمية التوسع في استخدامه في العملية التعليمية لمواكبة العصر الرقمي. لقد اكتشف أطفال المدارس في المراحل الأولى لهذا المسعى أن المعلومات الاقتصادية شيقة خاصة عندما يزول الغموض ويتلاشى الإبهام الذي سيطر عليهم بشأن التعامل مع أوراق النقد الورقية لاسيما بشأن ما الذي يجعل أحدها من فئة العشرة والثانية من فئة المائة والثالثة من فئة الألف حيث أنه لا فرق بينها فعليا سوى الرقم المدون عليها وتلك العلامة التي تضمن أنها ليست عملة مزورة.
لقد جاءت العملات الرقمية التي ضمتها السلة العامة لهذه العملات الكريبتو CRYPTO؛ مثل عملة بيتكوين ورمزها BTC التي بدأ التعامل بها عام 2009 وكان سعرها يرتفع تارة وينخفض تارة أخرى حتى عجز الكثيرون عن فهم ماهي القيمة الحقيقة للأموال، ومثل عملة الإيثيريوم ورمزها ETH وكان قد بدأ التعامل بها خلال عام 2015.
وعلى الرغم من أن مسألة قيمة المال بالنسبة للطفل تبدو نوعا ما معقدة لكن الكثيرون يرغبون مبكرا في فهمها، فكل فتى وشاب يملك اليوم معرفة عميقة في مجال تقنيات وتطبيقات الهاتف الذكي ، إذن الأمر يكمن في رغبة الشخص في فهم أمر دون غيره وأيضا على مدي تقييمه لأهميته بالنسبة له واقتناعه الشخصي بحيويته في حياته ، وهو ما يمكن أن ينصرف المعنى إلى الأمور الاقتصادية إذا اقتنعنا بضرورة إحاطة أفراد الأسرة بها في الحياة .
أليس منطقيا أن يتعلم الطفل أن المال محدود مهما بدا له كثير، وأن واجب عليه أن يحدد مسبقا أولوياته، من الضروري أن يفهم أن اقتناء سلعة غالية يتطلب تعلم فن الادخار وأنه لا يجوز الإفراط في توقع تحقق الأمنيات والحصول على الطلبات فورا. توجد وسائل تعليمية تساعد الأطفال على فهم قواعد اللعبة الاقتصادية، بعضها من خلال لعبة يمارسها عدة أطفال تقوم على محاولة تجميع صور لبعض الأشياء ثم يحاولون تحديد سعر كل منها على حده ليدركوا في النهاية أن بعضها منخفض القيمة والآخر تكلفته كبيرة وإذا حصل كل طفل على المبلغ المالي الخاص باللعبة وأصبح مطالبا أن يتصرف في حدوده سيفكر طويلا قبل أن يقرر ما يشتريه.
ويزيد الأمر تعقيدًا عندما يكون كل فرد مضطرًا ببيع بعضًا من الأشياء التي اشتراها بسبب حاجته للمال لسداد غرامة أو ضريبة أو دفع رسوم أو أن يبادلها بأخرى قيمتها مقاربة أو مساوية لها، وسيدرك الطفل حينها سبب إرجاء والديه تلبية رغباته معناها أن عليه أن يصبر لحين تسلم والده الراتب الشهري. من الضروري أن يدرك الطفل أن ثمة مصاريف أخرى ضرورية تكون لاحقة زيادة على ثمن شراء الكثير من المشتريات وهي ضرورية تترتب على المشتري فور اقتنائه السلعة وهي بمثابة نفقات يتحملها المشتري على سبيل الصيانة المنتظمة والرعاية الدائمة والعناية المستمرة،وينطبق هذا المعنى عند شراء سيارة أو شراء منزل جديد مثلًا، فبهذا يمكن أن تترسخ في الطفل هذه العقلية الاقتصادية منذ الصغر وتنمو معه بأسلوب يناسب عمره.

لاشك أن محاولة تبصرة الأطفال ببعض أسرار السوق في إطار ما يتعلق بالترويج للمبيعات سيعمق وعيهم لينتبهوا مثلًا إلى سبب وجود الحلويات والألعاب المعروضة في المحلات في الرفوف التي تقع في مستوى نظرهم، وذلك كمغريات لاستفزازهم.
كما قد يعمد التجّار إلى لفت انظارهم إلى ما قد يستهويهم كإظهار أطفال باسمين يلعبون ويمرحون برشاقة وهم يتناولون الوجبات السريعة والمشروبات الغازية والعصائر الصناعية، إن عليهم التفكير في مدى تأثير مثل هذه الدعاية على نفوسهم دون أي اعتبار لصحتهم.
ربما يدرك الأطفال يومًا أن الذهاب إلى الأسواق لن يكون الحل الأمثل لقضاء أوقات الفراغ، أما الأولياء فسيدركون أنه من غير المنطقي أن نضع الطفل وسط ذلك الحجم الهائل من المغريات التي تحرك روح الطفولة فيه بكل شدة ثم نطلب منه أن يتحكم في نفسه وألاّ يتأثر بأسلوب العرض القائم على الإغراء ولا على ما تقدمه المتاجر من هدايا تستدرجه بها وتحببه إليها من أجل حثه على الإقبال على المزيد من الشراء خاصة في الأعياد والمواسم و المناسبات السعيدة.
إن مرافقة الأولياء للأطفال في الأسواق ضرورة لإحداث التوازن الداخلي في نفوسهم، ولإكسابهم معرفة اقتصادية تراكمية جيدة تنفعهم في التحليل الكافي للأوضاع وفي تعميق الإيمان بحقيقة أن البيع والشراء وقرار إنفاق المال أو ادخاره هي أمور تمثل جزء مهما من الاقتصاد ، وأن من لا يملك المعرفة الاقتصادية سيجد نفسه يسمح للآخرين أن يملوا عليه ما ينبغي عليه أن يفعل.

















