في وجود الحيوانات يصبح الأطفال أكثر هدوءًا، وأكثر فضولًا، وأكثر بهجة، هل يمكن توظيف حب الأطفال الفطري للحيوانات وفضولهم تجاهها في تجارب تفاعلية هادفة معها داخل الصف؟ هل تعدّ هذه التجارب مهمة حقًا وهل لها تأثير حقيقي على نمو الأطفال؟
الحيوانات والأطفال
تؤكد الأبحاث أن الحيوانات تساعد الأطفال على تنمية حساسيتهم تجاه الآخرين، وتوفر لهم الراحة، بل وتتيح لهم مساحة آمنة للتعبير عن أسرارهم ومشاعرهم التي لا يشاركونها مع الكبار. كما تتيح لهم فرصًا لصقل مهاراتهم الاجتماعية، وممارسة الرعاية والاهتمام، وحتى استكشاف قضايا القوة والضعف بعناية.
ومن الواضح أن الحيوانات مهمة، ومعظم البالغين يدركون ذلك. فهي لا تثير الفضول المعرفي فحسب، بل تستحضر أيضًا استجابات عاطفية لدى الأطفال. كفرحة الطفل عند رؤية سنجاب أو عائلة من فراخ البط تسبح في بركة، أو البهجة العارمة التي تغمره عندما تحلق فراشة ملونة. قد تثير بضع دبابير تقترب من مجموعة من أطفال ما قبل المدرسة في نزهة صراخًا وذعرًا. لكن لو قدِمَ لهم جرو أبيض، لكانت فرحتهم غامرة بشكل لا يصدق.

بعض الأطفال أكثر صراحةً في التعبير عن حبهم من غيرهم، بعضهم لديه العديد من الحيوانات المفضلة، بينما يقتصر حب البعض الآخر على حيوان أو اثنين فقط. لكن ما يبدو أنه حقيقة عامة هو أن أي طفل تقريبًا سيخبرك بشيء يحبه في الحيوانات. اسأل طفلة خجولة عن حيوانها المفضل، وستتحدث عنه على الفور.
يحب الأطفال سرد قصص عن حيواناتهم الأليفة، والحيوانات التي شاهدوها في البرية، وذكرياتهم المميزة في حديقة الحيوان، وغيرها من الأحداث المهمة. هذا وحده يدل على أمر أساسي وبسيط: الحيوانات مهمة ومميزة للأطفال.
فرضية البيوفيليا
يفهم الكثيرون بالفطرة، وإن لم يسمعوا من قبل، “فرضية البيوفيليا”، وهي فكرة طرحها عالم الأحياء إدوارد أو. ويلسون عام 1984، مفادها أن لدى البشر ميلًا فطريًا للكائنات الحية الأخرى كالنباتات والحيوانات والبيئة الطبيعية.
ووفقًا لـ”ويلسون”؛ فإننا جميعًا، كوننا كائنات حية، نشترك في حاجة فطرية للتواصل مع الكائنات الحية الأخرى.
وفي السنوات الأخيرة، أدرك العديد من العاملين في مجال تعليم الطفولة المبكرة هذه الحاجة. ويسعون إلى تبني هذه الفلسفة في مراكزهم من خلال:
- توفير مواد طبيعية في الفصول الدراسية (مثل النباتات والزهور المزروعة).
- إنشاء مناطق لعب مستوحاة من الطبيعة.
- توفير وقت كافٍ للأطفال في الهواء الطلق.

وتدعم فرضية البيوفيليا فكرة أن الأطفال يزدهرون عندما يتاح لهم قضاء فترات طويلة في البيئات الطبيعية.
لكن اتباع نهج بيئي في تنمية الطفل يتجاوز مجرد توفير مساحات للجري واللعب في الطبيعة؛ إذ يشمل أيضًا إتاحة الفرصة للأطفال للتواصل مع الحيوانات كنافذة فريدة على عالم آخر، وعلاقة الأطفال بها مميزة وغنية بالمعاني، وتدعم نموهم. حيث إن التركيز على هذه العلاقة يشجع ويوسع من تعلقهم بالكائنات الحية.
ويبدو أن حب الأطفال الفطري للحيوانات أمرٌ عالمي. فبينما يميل معظم البالغين إلى تقدير قيمة الحيوانات بناءً على علاقتها بالبشر، يبدو أن الأطفال الصغار يقدّرونها لمجرد كونها كائنات حية. وهذا ما يسمى بـ”القيمة الجوهرية“. إذ لا يفكّر الأطفال في تفاصيل علاقتهم بالحيوانات وحبهم لها؛ بل يحبّونها ببساطة دون تساؤل أو تحليل.
وهن
في عالم الطفل، الكبار هم المتحكمون، يتخذ الكبار معظم القرارات. هم مصدر الحب والطعام والمساحة والمأوى، وغيرها من العناصر الأساسية للبقاء والمتعة والراحة.

بينما الحيوانات هي الكائنات الحية الوحيدة التي يستطيع الأطفال السيطرة عليها. مع أننا في ثقافتنا نستخدم مصطلح “السيطرة” أحيانًا بنبرة سلبية نوعًا ما، إلا أنه يعني في هذا السياق ببساطة “امتلاك سلطة أكبر من”. ولا نستطيع تصنيفه في خانة الجيد والسيئ، إنما هو الواقع فحسب.
إنّ القدرة على رعاية حيوان والمساهمة في رفاهيته أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة للطفل الصغير. ففي سنواته الأولى تحديدًا، ينشغل الأطفال بمحاولة فهم قدراتهم وكفاءاتهم. إنّ إتاحة الفرصة للأطفال للمشاركة في أنشطة رعاية هادفة لكائن حي ضعيف من شأنه أن يبني لديهم ثقةً كبيرةً بأنفسهم.
حرية التعبير
يمنح التحدث مع الحيوانات الأطفال حريةً لا يشعرون بها دائمًا عند التحدث مع الكبار. قد يبدو الكبار المهتمون بتعليم الأطفال ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم اللغوية أكثر تركيزًا على أسلوب كلام الطفل من مضمون كلامه.

أو قد يحاول بعض الكبار، بحسن نية، مساعدة الأطفال على “التعبير عن” مشاكلهم أو عرض مساعدتهم على فهم مشاعرهم. بالنسبة للأطفال الذين يحاولون التأقلم مع عالم التواصل المعقد مع الكبار، قد تثنيهم هذه الضغوط الإضافية عن التحدث براحة وطلاقة.
على النقيض، تستمع الحيوانات دون سؤال أو طلب، فهي تسمع ما يقوله الطفل دون إلحاح عليه ليقول المزيد. لا يطلب كلب العائلة من الطفل أن يسهب في الشرح أو يبرر أو يعتذر أو يفسر، بل يستمع فقط. وهذا يشعر الطفل براحة كبيرة، إذ يعلم أنه يستطيع أن يخبر حيوانه الأليف بأي شيء، وسيبقى سرًا في أمان.
قدرات مثيرة
يجد الأطفال أيضًا الصفات “السحرية” للحيوانات في القصص ووسائل الإعلام جذابة. غالبًا ما تمتلك الحيوانات قدرات خاصة، كالطيران، والرؤية في الظلام، والتحرك بسرعة فائقة، والعيش تحت الماء، وإخافة الوحوش – وهي أمور يتمنى الأطفال لو كانوا قادرين على فعلها.

في الواقع، تمتلك الحيوانات أيضًا قدرات خاصة: تحديد الموقع بالصدى، وحاسة شم وسمع حادة، والقدرة على تسلق قمم الأشجار، والطيران، والسبات الشتوي، والحفر تحت الأرض، والقفز عاليًا، والتنفس تحت الماء، والمشي على الجدران، والتعلق رأسًا على عقب، وغيرها الكثير! هذه القدرات المذهلة تجعل الحيوانات جذابة وآسرة للأطفال على الفور وتستحوذ على اهتمامهم.
يمكن للأطفال التعبير عن حبهم للحيوانات وقدراتها المتعددة من خلال اللعب التخيلي. فعندما يتقمص الأطفال شخصيات الحيوانات، يتحررون من قيود البشر. يتخيلون أنهم قادرون على تسلق أعلى الأشجار والتأرجح بين الكروم والأغصان. والطيران في السحاب، والسباحة في أعماق المحيطات، أو بث الرعب في قلوب المخلوقات الأضعف والأصغر.
إن اللعب بهذه الخيالات ليس ممتعًا فحسب؛ بل يساعد الأطفال أيضًا على الشعور بالقوة والصلابة. كما أنه يعزز لديهم التعاطف والرحمة تجاه الحيوانات والبشر، ويعمق مشاعرهم الإيجابية تجاههم.















