في خضم إيقاع الحياة السريع، غالبًا ما يتم إهمال الجانب الأكثر صدقًا في وجودنا: المشاعر. نضحك وقلوبنا مثقلة بالحزن، أو نغضب بينما يكمن الخوف من الخسارة في العمق. التساؤل “ما الذي أشعر به حقًا؟” هو نقطة البداية نحو الوعي العاطفي، الذي يعد ضروريًا للنمو الشخصي والصحة الجسدية. المشاعر ليست مجرد حالات عابرة، بل هي مزيج معقد من الاستجابات الجسدية والتفسيرات العقلية.
ولفهم هذه اللغة الفطرية، لا بد من تفكيكها، وهو ما تناوله الدكتور إبراهيم دويدار ، استشاري طب الأسرة والمتخصص في العلاجات النفسية، موضحًا الفروقات بين العاطفة والشعور وكيفية تحويل الأحاسيس السلبية من عبء صامت إلى طاقة بناءة.

الفرق بين العاطفة والشعور.. أساس الوعي
يشير الدكتور دويدار إلى أن الخلط بين المفهومين شائع، لكن التمييز بينهما ضروري:
- العاطفة (Emotion): هي استجابة جسدية لا إرادية وسريعة لمحفز ما، مثل تسارع ضربات القلب. إنها رد فعل بيولوجي فوري.
- الشعور (Feeling): هو التفسير الواعي الذي نمنحه لهذه الاستجابة الجسدية، كأن نصف تسارع ضربات القلب بـ “الخوف”.
كما يؤكد أن هناك دراسات علمية تشير إلى أن المشاعر الأساسية كالفرح، والحزن، والغضب، والخوف، هي لغة مشتركة عالمية تظهر في تعابير الوجه حتى عند الرضع. ما يدل على طبيعتها الفطرية. أما المشاعر المعقدة، مثل الغيرة والامتنان، فتنشأ في الطفولة المبكرة من تداخل مشاعر أساسية مع الخبرات والتفسير العقلي.
التحدي الأكبر.. تسمية المشاعر والكبت العاطفي
وأضاف، ٠يواجه الكثيرون ما يعرف بـ “عمى المشاعر” (Alexithymia) أو صعوبة تسمية مشاعرهم والتعبير عنها. يعود هذا في كثير من الأحيان إلى ثقافة الطفولة التي لم تركز على الوعي العاطفي، أو العادات المجتمعية التي ربطت التعبير عن بعض المشاعر (كالبكاء) بالضعف.
مشيرًا إلى ان هذا الكبت العاطفي يترك آثارُا سلبية. حيث تتحول المشاعر غير المُدارة إلى عبء يتراكم في النفس والجسد. وتظهر هذه الآثار على شكل تعلق مرضي، أو وسواس، أو حتى أمراض عضوية وظيفية مثل القولون العصبي، والآلام المزمنة كالصداع، والأمراض التحسسية. فالعواطف المكبوتة تُحتبس كعبء إضافي يرهق الجسد والعقل.
المشاعر السلبية كـ “جرس إنذار”
كما يوضح الدكتور دويدار أن المشاعر، حتى السلبية منها، خلقت لخدمتنا. فالغضب، على سبيل المثال، هو إشارة إلى تجاوز خط أحمر، والحزن قد يكون دافعُا لمراجعة الذات. هذه المشاعر هي “أجراس إنذار” توجه انتباهنا إلى مواطن الخطر والاحتياج.
لكن هذه المشاعر تصبح خطرة وتستدعي طلب المساعدة المهنية إذا تجاوزت مدتها أسابيع عدة دون تحسن، أو بدأت تعيق الحياة اليومية كالعمل والنوم، أو شكلت خطرًا على النفس والآخرين.
على النقيض، تعمل المشاعر الإيجابية، مثل الامتنان والأمل والرضا، كوقود للصحة. حيث ترفع من هرمونات السعادة (الدوبامين والسيروتونين)، وتقلل من هرمون التوتر (الكورتيزول). ما يحسن الذاكرة، والتركيز، والمناعة.
الوصفة الذهبية لإدارة المشاعر بوعي
كما يتطرق د. إبراهيم إلى أن التوازن العاطفي ليس رفاهية، بل ممارسة يومية مستمرة. ولإدارة المشاعر بوعي، يجب:
- السماح بالوجود: منح كل شعور “إذنًا” بالوجود دون السماح له بالسيطرة.
- التسمية والاعتراف: تسمية الشعور بوضوح والاعتراف به كخطوة أولى نحو إدارته.
- تفريغ الخزان: تفكيك المشاعر السلبية والتعلّم من “الإنذار” الذي خلفته، والعمل على تصحيح الموقف أو المفهوم.
- المعادلة والتعويض: يحتاج كل شعور سلبي إلى 3-5 مشاعر إيجابية لمعادلة أثره. يمكن تحقيق ذلك من خلال ممارسة الامتنان وتسمية الأمور الإيجابية في الحياة.
كما يشدد على ضرورة الممارسات اليومية لتعزيز المرونة النفسية، مثل الرياضة المنتظمة (حتى 15 دقيقة يوميًا لرفع الإندورفين)، وتمارين التنفس العميق (مثل تمرين 4:4:4 لخفض الكورتيزول وتهدئة الجهاز العصبي).
ويختتم حديثه للجوهرة قائلُا: إن المشاعر ليست نقيضُا للعقل، بل هي جنود داعمة له. ومن خلال تعلم تقنيات العلاج السلوكي المعرفي لتفكيك الأفكار التلقائية السلبية وتبني تفسيرات بديلة أكثر واقعية، يمكن تحويل المشاعر القوية من مصدر تعطيل إلى طاقة إيجابية تدعم الإبداع والإنجاز والنمو في الحياة.


















