غالبًا ما يعرف التلوث الضوئي على أنه التغيير الذي يحدثه الإنسان في مستويات الإضاءة الخارجية عن تلك التي تحدث بشكل طبيعي. عندما نفرط في الإضاءة، أو نفشل في استخدام المؤقتات وأجهزة الاستشعار، أو نستخدم لون الضوء الخاطئ. فالكائنات الحية قد تؤثر سلبًا على أجزاء كثيرة من عالمنا، بما في ذلك الطيور المهاجرة، والملقحات، والسلاحف البحرية، والثدييات، بما في ذلك البشر.
ومعظمنا على دراية بتلوث الهواء وتلوث المياه وتلوث الأرض، لكن هل تعلم أن الضوء يمكن أن يكون ملوثًا أيضًا؟
تشمل مكونات التلوث الضوئي ما يلي:
- الوهج – سطوع مفرط يسبب إزعاجًا بصريًا.
- توهج السماء – ازدياد سطوع سماء الليل فوق المناطق المأهولة بالسكان.
- التعدي الضوئي – سقوط الضوء في مكان غير مقصود أو غير مطلوب.
- فوضى – تجمعات ساطعة ومربكة ومفرطة من مصادر الضوء.

ما الذي يسبب التلوث الضوئي؟
يعدّ التلوث الضوئي مشكلة، لكن لا يمكن إلقاء اللوم على دولة أو جماعة أو قطاع صناعي بعينه. بل هو نتيجة اعتماد العالم بأسره المتزايد على الإضاءة الكهربائية الخارجية لأكثر من 200 عام. ولحسن الحظ، يتزايد الوعي بأنّ الطرق التي نلجأ إليها لمقاومة الظلام قد يكون لها آثار ضارة أيضًا. ومن مصادر التلوث الضوئي:
المدن
عندما ارتحل البشر إلى الفضاء لأول مرة، اتضح جليًا مدى تأثيرهم على سماء الليل؛ فالمدن باتت مرئية بوضوح من محطة الفضاء الدولية ليلًا. وبعد عقود، لاحظ رواد الفضاء على متن المحطة تزايد التلوث الضوئي مع توسع المدن بشكل متزايد .
وتعدّ المدن مسؤولة عن معظم التلوث الضوئي لأنها تحتوي على أكبر عدد من الأضواء غير المحجوبة وغير الملونة بشكل صحيح. والتي ترسل الضوء إلى أعلى في السماء بدلًا من أسفل حفاظًا على سلامة الإنسان.

إضاءة خارجية
ومن مصابيح الممرات ومصابيح الشوارع غير المحمية إلى اللافتات المضيئة؛ فإن معظم الضوء في الليل يهدر؛ حيث يتسرب إلى الهواء بدلًا من أن ينزل إلى الأرض حيث تشتد الحاجة إليه من أجل السلامة وتحديد الاتجاهات.
أعمدة الإنارة
وعلى الرغم من إمكانية تعديل مصابيح الشوارع لتكون صديقة للسماء المظلمة؛ إلا أن معظم المدن والبلدات لم تحقق ذلك بعد.

مواقف السيارات
إن إبقاء مواقف السيارات الفارغة مضاءة طوال الليل دون مؤقتات يتسبب في انعكاس الضوء نحو السماء، فضلًا عن هدر الطاقة. كثيرًا ما تكون معارض السيارات ومراكز التسوق والمواقع الصناعية مضاءة بشكل مفرط ومُهدر للطاقة.
الإعلان الإلكتروني
وتعرف اللوحات الإعلانية الإلكترونية أيضًا بمراكز الرسائل الإلكترونية، ويمكن أن تكون أكثر سطوعًا بعشر مرات ليلًا من اللوحات الإعلانية التقليدية. ولا يمكن حجب مصابيح LED في هذه المراكز؛ لذا ينبعث الضوء بكثافة في سماء الليل.
وقد يتسبب ضوء المركبات الكهرومغناطيسية في وهج شديد؛ ما قد يشتت انتباه السائقين بشكل خطير. في بعض الحالات، يمكن رؤية ضوء هذه المركبات من مسافات بعيدة. وقد يؤثر على سلوكيات التكاثر والبحث عن الطعام والتوجيه لدى الحيوانات البرية الليلية.

البيوت الزجاجية
ويتزايد عدد السكان في أمريكا الشمالية وأوروبا الذين يبلغون عن توهجات غريبة في سماء الليل. وتتسبب البيوت الزجاجية المضاءة في المناطق المكتظة بالسكان في ظروف تُعرف بتجاوز الضوء. ويعتبر التوهج الساطع بألوان غير مألوفة فوق البيوت الزجاجية مصدر إزعاج للجيران في بعض الأحيان.
ولم تتصدَّ الحكومات إلى حد كبير لهذا الوضع حتى الآن، ويعود ذلك جزئيًا إلى عدم وضوح كيفية تنظيم الإضاءة التي تنتجها البيوت الزجاجية. ومع قلة القوانين المعمول بها وبيئة الأعمال المواتية في العديد من المناطق. يختار المشغلون بشكل متزايد إضاءة البيوت الزجاجية طوال الليل أو معظمه دون عواقب قانونية تُذكر.
إضاءة رياضية
في حين أن الرياضات الليلية توفر الكثير من الفوائد القيّمة للبشر، فإن الإضاءة سيئة التصميم في المراكز الرياضية الخارجية والملاعب تتسبب في زيادة التلوث الضوئي في أجزاء من المدينة التي غالبًا ما تكون مجاورة للمساحات المفتوحة والحدائق.
ومع ذلك، يمكن تهيئة وتصميم إضاءة الملاعب الرياضية الترفيهية بحيث تكون محمية بشكل فعال لإضاءة ملعب اللعب وتقليل أو إزالة الوهج وتسلل الضوء.

تنسيق الحدائق والإضاءة المزاجية
نحبّ حدائقنا الخلفية الجميلة التي تناسب صور إنستغرام، والمضاءة بأضواء الحفلات والزينة وغيرها، لكن عندما لا يكون هناك من يستخدمها، تهدر الطاقة وتساهم في التلوث الضوئي في أحيائنا. لذا، يجب أن تكون أضواء الحدائق الخارجية موصولة بمؤقت أو مستشعر، أو ببساطة مطفأة تمامًا عند عدم استخدامها.
إنتاج النفط والغاز
وغالبًا ما تقع مشاريع تطوير النفط والغاز الضخمة بعيدًا عن المناطق المأهولة بالسكان، لكن ذلك لا يقلل من آثارها السلبية على الحياة البرية.
فالإضاءة الاصطناعية ليلًا تضلّل الطيور عن مسارات هجرتها. وقد لوحظ أن بعضها يدور عبثًا حول مشاعل الغاز الطبيعي الساطعة. عاجزًا عن الابتعاد عن الضوء، ما يؤدي إلى فقدانها ما يقارب نصف وزنها في ليلة واحدة.

الأقمار الصناعية
أعرب علماء الفلك في السنوات الأخيرة عن قلقهم إزاء العدد المتزايد من الأجسام التي تدور حول الكوكب. ولا سيما الأساطيل الكبيرة من أقمار الاتصالات المعروفة بشكل غير رسمي باسم “المجموعات الضخمة”.
وتوصلت الأبحاث المنشورة في مجلة الإشعارات الشهرية لرسائل الجمعية الفلكية الملكية إلى أن الأجسام التي تدور حول الأرض تزيد من سطوع سماء الليل بنسبة 10% على الأقل مقارنة بمستويات الضوء الطبيعي. متجاوزة بذلك عتبة وضعها علماء الفلك منذ أكثر من 40 عامًا لاعتبار موقع ما “ملوثًا بالضوء”.
خمسة أنواع مهددة بالتلوث الضوئي
1-السلاحف البحرية
تعيش السلاحف البحرية في المحيط، لكنها تفقس على الشاطئ ليلًا. تهتدي صغار السلاحف إلى البحر من خلال رصد الأفق الساطع فوقه. قد تجذبها الأضواء الاصطناعية بعيدًا عن البحر؛ ما يجعلها عالقة على اليابسة حيث تكون عرضة للجفاف والحيوانات المفترسة وحوادث السيارات. في فلوريدا وحدها، يموت ملايين من صغار السلاحف بهذه الطريقة كل عام.

2-اليراعات
تتناقص أعداد هذه المخلوقات الساحرة في جميع أنحاء العالم. ويتفق العلماء على أن فقدان الموائل والتلوث الضوئي من الأسباب الرئيسية لذلك. فقد أظهرت الدراسات أن الضوء الاصطناعي يتداخل مع الضوء الذي تصدره ذكور اليراعات لجذب الإناث؛ ما يعني انخفاض عدد اليراعات المولودة سنويًا. وإذا كان الضوء ساطعًا جدًا بحيث لا يُمكن رؤية العديد من النجوم، فمن المرجح ألا ترى أي يراعات أيضًا.

3-سمك السلمون الأطلسي
ويمكن للإضاءة الاصطناعية أن تغير أنماط الهجرة الطبيعية لسمك السلمون. قارن الباحثون هجرة صغار سمك السلمون الأطلسي في ظروف الإضاءة الطبيعية بتلك التي تحدث تحت إضاءة الشوارع الاصطناعية. وفي ظل الإضاءة الطبيعية، ارتبطت هجرة السلمون بغروب الشمس، بينما كانت عشوائية في ظل إضاءة الشوارع. وخلص الباحثون إلى أن اضطراب سلوك هجرة السلمون قد يُهدد فرص بقائه.
4-ضفادع الأشجار
وتتناقص أعداد الضفادع في جميع أنحاء العالم نتيجةً لضغوط بيئية متنوعة. ولأن العديد من أنواع الضفادع ليلية النشاط، فهي أكثر عرضةً للضرر الناجم عن التلوث الضوئي.
وقد اكتشف العلماء أيضاً أن الضوء الاصطناعي يؤثر على نداء التزاوج لدى العديد من أنواع ضفادع الأشجار. ففي المناطق شديدة الإضاءة، يتوقف ذكور ضفادع الأشجار عن إصدار نداء التزاوج أو يقللون منه. وإذا لم يصدر الذكور هذا النداء، فإن الإناث لا تتكاثر.

5- فراشات الملك
فراشة الملك هي الفراشة الوحيدة المعروفة بهجرتها ذهابًا وإيابًا كالطيور. وتستخدم هذه الفراشات نظامًا ملاحيًا متطورًا يرشدها في رحلتها جنوبًا لقضاء فصل الشتاء.
وقد أظهرت الأبحاث أن التعرض للضوء الاصطناعي قد يُعطّل نظامها الملاحي؛ ما يُضلّلها عن مسارات هجرتها.

















