روائية لبنانية المولد ذات فلسفة كتابية خاصة تطلق العنان لإبداعها بلا حدود، تخرجت في كلية آداب القاهرة قسم الترجمة، وتحمل أيضًا الجنسية المصرية، هي الروائية مريم هرموش؛ عضو اتحاد الكتاب العرب، ونادي القصة.
“هرموش”، رغم عملها مسؤولة بالعديد من البنوك الأجنبية في مصر بعد حصولها على دبلومة إدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية، ومستشارة هجرة إلى كندا لأكثر من عشر سنوات، أكدت في حوارها مع مجلة “الجوهرة” أن الكتابة ظلت دائمًا هي شغفها المؤجل الذي يلاحقها.
صدرت لها الكثير من الأعمال الأدبية، منها كتابات ساخرة تحمل عنوان “هرتلات نسائية”، وترصد على نحو ساخر قضايا المرأة، وتؤكد في حوارها أنه يمكن للأديب الرجل أن يعبر أكثر عن قضايا وهموم المرأة، فهي ترفض تصنيف الأدب، حسب النوع.
تدخل مريم هرموش، مرحلة جديدة من الإبداع؛ حيث الرواية النفسية التي تمثل الفلسفة الوجودية في رواية “شيء مني”، وأيضًا رواية “أكبر من العشق”، حول التصدع داخل الأسرة العربية ورحلة البحث عن “الهوية” في الوقت الذي شاركت بكتابة سيناريو “بتول”، وهو فيلم إنتاج فرنسي مصري سوداني، وقد ترجمت روايتها “ذلك الغريب” إلى اللغة السويدية.
وعن روايتها الأخيرة “خلف الحجب”، تقول “هرموش”: إنها حالة إبداعية مغايرة اعترتني بكل ما فيها من غرائبيات.
كما أثنت مريم هرموش، في مقابلتها مع “الجوهرة” كثيرًا على رؤية 2030، وما قدمته للمرأة من حقوق ومكاسب كثيرة، قائلةً: إن المرأة السعودية اليوم مصدر فخر واعتزاز في وطنها.. وفيما يلي نص الحوار:
روايتك الأحدث “خلف الحجب” جاءت مغايرة لأعمالك السابقة فهي تطرق عوالم مجهولة وتستدعي الغرائبيات غير المألوفة.. كيف تولدت لديك فكرة هذا العمل؟
الإبداع الحقيقي هو أن تترك نفسك لتنساق خلف ذلك الإلهام الداخلي الذي يتفجر فجأة دون أي إرادة منك مدفوعًا خارج أطر وعيك وفكرك المحدود.. فالإبداع مثلما يقولون هو النظر إلى المألوف بطريقة غير مألوفة.
ورواية “خلف الحجب” هي بمثابة ولادة إبداعية حرة تحاكي هذا؛ حيث تفتح الرواية بأحداثها نوافذ سريالية لعالم ميتافيزيقي، من خلال قرية لا تنام بيوتها تخاصم الليل وتحتضن الشمس التي لا تغيب عنها.
الغريب أن بطل الرواية لا يحمل اسمًا طوال فصول العمل لينطلق في رحلة بحث عن حبيبته “شمس” التي اختفت يوم زفافهما. فالإبداع ربما يبدو في غرابة ذلك التي كانت تخيفني.
كيف جاء الاشتباك تشكيليًا مع النص؟
جاء ذلك وليد اللحظة، فحين قرأ الفنان التشكيلي الكبير أحمد الجنايني، نصي الروائي لأول مرة، أبدى إعجابه وتأثره الشديدين بهذه العوالم السريالية التي تتشابه مع عوالمه إلى حد كبير.
وعلى الفور، عرض عليَّ فكرة الاشتباك تشكيليًا مع نصي، وبدأ في تخيل رؤيته البصرية للعمل. ومن ثم تنفيذها على الفور.
نتوقف عند القلق الوجودي في روايتك “ذلك الغريب”، لنطرح عليك السؤال: إلى أي مدى تحمل الرواية بعضًا من “جينات” الفلسفة الوجودية لجان بول سارتر، أو تتشابه مع رواية “الغريب” لألبير كامي؟
ما يمكنني قوله هو أننا جميعًا نمتلك بداخلنا بذور القلق الوجودي، ولكن دون إرادة منا، فتساؤلاتنا التي تسكننا ممتدة وستبقى تثير الكثير بداخلنا من فوضى المشاعر والأفكار، طالما أننا موجودون على سطح هذا الكوكب.
أما عن ارتباط روايتي بـ”غريب البير كامي”، فهذا تصور لا يدعمه أي وجه للمقارنة على الإطلاق؛ لأنني ببساطة لا أؤمن بنظرية “عبثية الوجود”، بل على العكس تمامًا.
هل تمثل الميثولوجيا إحدى أدوات مريم هرموش في الولوج إلى حالة الإبداع؟
لا شك أن الميثولوجيا (علم الأساطير) قد أسهمت في تشكيل وجدان معظم الأدباء والمثقفين؛ فهي من أهم مصادر الإلهام الأدبي، لأنها تنقل حكمة أو فكرة راسخة في وجداننا الجمعي، وهذا شيء يحتاجه المبدع بكل تأكيد.
كيف ترين نفسك بين جيل المبدعات العربيات؟ وهل يوجد ما يسمى بـ”أدب الأظافر الطويلة”؟
في الحقيقة هذا سؤال تصعب الإجابة عنه، فأنا أكتب لأن الكتابة هي شغفي الحقيقي، ولا أسعى من ورائها إلى مزاحمة أحد.. وأترك التقييم الحقيقي للقارئ الذي ينتظر نصي، وللنقاد والصحفيين الجادين.
أما عما يسمى بـ”أدب الأظافر الطويلة” فأنا أعتبره مجرد محاولة للتقليل من قيمة المنتج الإبداعي للكاتبات الحقيقيات بوضعه على رف، أو في خانة “صاحبات الأظافر الطويلة”، أو “الأدب النسوي”. ومن المعروف عني أنني رافضة للتصنيف.
عملت لأكثر من تسع سنوات مسؤولة هجرة إلى كندا، فلماذا قررت أن يكون الأدب “عنوان” لحياتك؟
الكتابة ظلت دائمًا هي شغفي المؤجل الذي يلاحقني، لمدة طويلة حتى جاء الوقت المناسب الذي تفرغت فيه لذلك الشغف تفرغًا كاملًا. فأنا من أنصار أن نعطي لكل شيء حقه إذا ما أردنا أن نتقنه.
روايتك الأحدث “خلف الحجب” تفتح نوافذ سرياليىة لعالم ميتافيزيقي، كما ذكرت سابقًا، هل هذا تجديد في شكل الرواية العربية؟
“خلف الحجب” حالة إبداعية مغايرة اعترتني بكل ما فيها من غرائبيات فاستسلمت لها وعبرت من خلالها إلى آفاق جديدة خارج حدود المألوف.
وطننا العربي تجتاحه ظواهر اجتماعية مثل: التحرش الجنسي، والتنمر. وأنت بصفتك لبنانية عاشت في مجتمعات غربية وشرقية عدة، إلى أي شيء ترجعين سبب ذلك؟
هذا سؤال متشعب اسمح لي أن أجيب عنه بقليل من الإسهاب: القضايا التي تجتاح عالمنا ليس العربي فقط، بل والغربي أيضًا، هي في تقديري، نتاج تدنٍ أخلاقي وإنساني، راجع لغياب القدوة الحقيقة في المقام الأول، ولسيطرة غير المألوف، والترويج له بسهولة ويسر حتى غدى مألوفًا.. وهذا باختصار.
أما عن تناول الظواهر الاجتماعية التي أصبحت تجتاح عالمنا العربي؛ فأنا معنية بالقضايا الأخلاقية والإنسانية في كتاباتي خصوصًا، وأوليها الكثير من الاهتمام، وأتطرق لها بشكل أكثر عمقًا من كونها مجرد “ظاهرة اجتماعية”.
ولكن، في الوقت نفسه، فأنا لا أحب تعرية القبح.. فعالمنا يعج به ولسنا بحاجة إلى تسليط مزيد من الضوء عليه؛ لأن ما نحتاجه إنما هو الارتقاء بالضمير الإنساني والترويج لكل ما يرتقي بإنسانيتنا.
كيف ترين المرأة السعودية اليوم، بعد أن حصلت على كثير من الحقوق في ظل رؤية 2030؟ وهل تتابعين الحركة الإبداعية لها؟
المرأة السعودية اليوم، مصدر فخر واعتزاز في وطنها بعد أن كانت حقوقها مسلوبة لفترات طويلة؛ فانخرطت في خدمة وطنها الذي أولاها كل العناية والاهتمام والتمكين، فأصبحنا نراها اليوم في الفضاء والمحافل الدولية نموذجًا مشرفًا للمرأة العربية.
هل المرأة أكثر قدرة في الكتابة عن قضاياها ومشاعرها من الرجل؟
ليس بالضرورة، فأحيانًا يستطيع الرجل أن يعبر عن دواخل المرأة أكثر من المرأة نفسها. وهناك نماذج كثيرة أهمها: توفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس وغيرهما.
وكذلك المرأة تستطيع أن تسبر أغوار الرجل وتعبر عنه بمصداقية شديدة..
هل عبرتي عن معاناة المرأة العربية عمومًا، والمرأة اللبنانية خصوصًا؟
أما عن تناول قضايا المرأة العربية واللبنانية، بشكل خاص، ففي الحقيقة وبكل صدق، أنا معنية في مشروعي الإبداعي كله بـ “الإنسان” عمومًا، وبالإنسانية وقضاياها، على نحو خاص.



















