البشر كائنات اجتماعية ناطقة، وكثير منهم يميل إلى اللجاجة في الحديث والثرثرة في الكلام، وهي عادة سيئة لدى معظم الناس، رغم ما قد تحمله أحيانًا من جانب حميمي دافئ يضفي متعة على الحاضرين ويبهج أجواء التسلية بين الأصدقاء بأخبار جديدة.
سمات النميمة
كما أن لها وجهًا آخر قبيحًا حين تتحول إلى نميمة دنيئة تسيء إلى سمعة ومصلحة طرف ثالث. فالمتفق عليه أن النميمة عالم مظلم يقوم على الخداع الذاتي، والقيل والقال، والثرثرة التي يمارسها الناس بشكل اعتيادي. حتى أصبحت جزءًا من نمط حياتهم اليومية دون وعي. وتؤدي الفردية المفرطة والمنافسة غير الشريفة إلى اتساع نطاق هذه الثرثرة المسيئة. ما يسمم العلاقات داخل الأسرة وفي بيئات العمل. والحقيقة أن جوهر المشكلة يكمن في المحتوى، لا في الثرثرة ذاتها. إذ قد تكون أحياناً مرآة صادقة لما يدور في عقول الناس.

وفي علم النفس التطوري، تتكاتف عدة عناصر لتمنح النميمة طابعها الخاص. أولها القدرات الفيزيولوجية على الحديث. إذ يتيح التطور البشري التحدث بفضل كفاءة الأجهزة الصوتية مثل القصبة الهوائية، والرئتين، والحبال الصوتية. كما تتمثل السمة الثانية في اللغة، التي تنمّي الغريزة اللغوية وتكسب الإنسان القدرة على الكلام والتواصل. أما السمة الثالثة، فهي قدرة الدماغ على معالجة المشكلات المعقدة والتفاعل مع عدد كبير من الأفراد في آنٍ واحد. وهي سمات تعد جميعها عوامل ممكنة للثرثرة.
الوظائف الرئيسية للثرثرة
لقد حدد علم النفس التطوري ثلاث وظائف رئيسية للثرثرة وهي التشبيك، والنفوذ المؤثر ، والتحالفات الاجتماعية .
التشبيك
كما أن الإنسان ككائن اجتماعي يعي جيدًا مكانته ودوره في المجتمع ووسط الكائنات البشرية. التي تضع الصحة والثرثرة والسعادة في مقدمة قائمة الفوائد المهمة لها، ولكن التمتع بهذه المنافع مسألة صعبة ويخشى معها الفشل. لذلك يستثمر الناس في العادة مجموعة واسعة من المواهب لمقارنة أنفسهم بالآخرين. ولأن الهيكلية الاجتماعية دينامية أي ذات حركية مستمرة في إحداث التغيير في كل الأوقات. وفي وسائل الإعلام المختلفة التي تلاحق وتتابع هذه للتغييرات سواء المحلية منها والعالمية.
النفوذ المؤثر
كما تتيح المتابعة الإعلامية مادة غنية للنقاش حتى لدى من يعد وضعهم الاجتماعي راكدًا. إذ يسعون جاهدين للحفاظ على حيويتهم، ليتمكنوا من تسويق أنفسهم من خلال الانطباع الإيجابي الذي يتركونه لدى الآخرين. وللتأكد من عدم فقدانهم نفوذهم الاجتماعي.
بينما يعبر بعض الأشخاص البارزين عن استيائهم من قلة الاهتمام أو التقدير الذي يرونه مستحقًا لهم. في حين يحظى آخرون أقل شأنًا وموهبة بذلك الاهتمام. ويعزى هذا إلى أن ليس كل فرد يملك القدرة على تسويق صورته بالشكل المناسب. أو لا يمتلك الدوافع الكافية لبذل هذا الجهد كما ينبغي. لذلك، فإن هؤلاء بحاجة إلى تعلم كيفية تسويق أنفسهم بطريقة مقنعة. حتى وإن بدا أداؤهم غير طبيعي في بعض الأحيان.

تحقيق التحالفات
كما يعتبر الغرض الرئيسي من أغراض الثرثرة هو تحقيق التحالفات. فالمراد الخفي من الثرثرة مع أي شخص الإيحاء له بمكانته العليا. من خلال إعطائه معلومات باعتبارها سرية جدا وأنه لولا مكانته ما كان ليتحصل عليها. والغرض من هذا استخدام المعلومة لتكوين تحالفات مفيدة على أمل توفير الاستقرار واكتساب المكانة الرفيعة.
النميمة هي الثرثرة السلبية
أما النميمة فهي الترجمة الفعلية للخبث، تنبع من رغبة دفينة في إيذاء شخص بعينه. إذ تستهدف الثرثرة السلبية بين اثنين الإضرار بطرف ثالث غائب. لا يعلم ما يُحاك له، ولا يملك حق الدفاع عن نفسه أو تبرئة ذمته.
كما إنها لعبة خبيثة، لا يجيدها إلا من امتلك براعة في التخفي تحت قناع التعاطف. فيظهر المحبة وهو ينسج خيوط التشويه. وغالبًا ما تمارس النميمة دون وعي، إذ يتلبس النمام وهمًا أخلاقيًا بأنه متسامح وعطوف. بينما هو في الواقع يلف حبل الخداع حول ضحيته. كما تبقى القصص والحكايات جوهر هذه الثرثرة، إذ يتمتع النمام الناجح بحس روائي فطري. يمكنه من التوغل في أعماق المشكلات الاجتماعية.

تجد الكثير من النساء في الثرثرة الطريقة الفضلي للحديث عن الموضوعات ذات الحساسية الخاصة والقيم الاجتماعية. ويملن للثرثرة أكثر حول العلاقات الاجتماعية. والفارق هنا بين المرأة والرجل أن الرجل يهتم بأخبار المسؤولين الصاعدين والهابطين من القمة والتوقع بلعبة المنافسة.

















