أصبح الإنترنت هو المعادل الأعظم. الجسر الذي سيوصل المعرفة والفرص إلى كل ركن من أركان العالم. مانحًا الأفراد القدرة على تجاوز القيود الجغرافية والاقتصادية. لكن في القرن الحادي والعشرين. وبعد عقود من الثورة الرقمية، تكشف الإحصائيات عن واقع مغاير. حيث لا يزال مليارات الأشخاص محرومين من هذا الشريان الحيوي.
قوة مضاعفة للفقر
تحول غياب الاتصال بالشبكة من مجرد “إزعاج” تقني بسيط، إلى قوة مضاعفة للفقر، تمنع مجتمعات بأكملها من المشاركة في الاقتصاد المعرفي. ففي عالم أصبحت فيه الوظيفة. والتعليم، والرعاية الصحية، وحتى الحصول على المساعدات الحكومية، تتطلب اتصالًا رقميًا، فإن الحرمان من الإنترنت يعني فعليًا الحرمان من المستقبل.
هذا المقال يستكشف كيف أصبح التفاوت الرقمي (Digital Divide) سدًا منيعًا أمام الخروج من دائرة الفقر، وكيف يكرس الحرمان المنهجي في العصر الرقمي.

كيف يضاعف غياب الإنترنت من حدة الفقر؟
يؤثر عدم الوصول إلى الإنترنت عريض النطاق بشكل مباشر على قدرة الأفراد والمجتمعات على الخروج من دائرة الفقر بعدة طرق حاسمة:
-
إعاقة الوصول إلى فرص العمل
حواجز التوظيف معظم إعلانات الوظائف الحديثة وطلبات التوظيف تنشر وتقدم إلكترونيًا. دون الإنترنت، يحرم الفقراء من مجرد معرفة الفرص المتاحة. أو تقديم طلباتهم، أو إجراء المقابلات الافتراضية، ما يقلل بشكل كبير من فرص حصولهم على دخل ثابت.
-
اقتصاد العمل الحر (Gig Economy):
العديد من فرص العمل المرنة. مثل العمل الحر عبر الإنترنت أو الخدمات القائمة على التطبيقات (مثل التوصيل والخدمات اللوجستية). تعتمد بالكامل على الاتصال بالإنترنت والهواتف الذكية. حرمان الفقراء من هذه الأدوات يعني حرمانهم من مسارات نمو اقتصادي سريعة ومرنة.
-
ريادة الأعمال:
يعتمد أصحاب المشاريع الصغيرة في المناطق الفقيرة على الإنترنت للتسويق، والوصول إلى الموردين، وتلقي المدفوعات. غيابه يعزلهم عن الأسواق الأوسع ويحد من نمو أعمالهم.
الفجوة الرقمية وتأثيرها على النمو الاقتصادي
بحسب “sciencenewstoday” تعد الفجوة الرقمية هي التحدي الأبرز الذي يعيق النمو الاقتصادي والاجتماعي. وذلك وفقًا لإحصاءات الاتحاد الدولي للاتصالات، يعيش نحو 1.4 مليار شخص في الدول الأقل نموًا، ولا يتجاوز معدل الوصول إلى الإنترنت بينهم 36% من السكان.
تكمن المشكلة الجوهرية في أن التغطية وحدها لا تكفي؛ فبينما يعيش 83% من سكان هذه الدول في مناطق مغطاة بشبكات النطاق العريض عبر الهواتف المحمولة، تظل التكلفة الباهظة هي العائق الأكبر. إن باقة بيانات صغيرة يمكن أن تستهلك نحو 6% من متوسط الدخل الشهري في هذه الدول، وهو أربعة أضعاف المعدل العالمي المقبول. ما يجبر الفقراء على الاختيار بين الاتصال وشراء السلع الأساسية. هذا التفاوت يعزز العزلة الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل الدول النامية مهددة بالتخلف عن الركب العالمي، حيث لا تزيد معدلات الاشتراك في الإنترنت الثابت على 1.6 اشتراك لكل 100 شخص.

التفاوت بين الجنسين.. حرمان يغذي الفقر
بينما لا تقتصر هذه الفجوة على الفروقات بين الدول، بل تتجلى بوضوح في التفاوت بين الجنسين داخل المجتمعات نفسها، خاصة في مناطق جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. رغم أن التقارير تشير إلى تقلص الفجوة في استخدام الإنترنت عبر الهواتف المحمولة إلى 15% (في 2024)، فإن ملايين النساء يظلن أقل استخدامًا للإنترنت مقارنة بالرجال.
كما يعمق هذا الحرمان التحديات التي تواجه النساء، إذ يحد من فرصهن في التعليم والمشاركة في سوق العمل، ويصعب حصولهن على خدمات أساسية كالرعاية الصحية والخدمات المالية. نتيجة لذلك، تبقى النساء محصورات في دائرة الفقر. ما يقوض قدرتهن على تحسين ظروف حياتهن ويقلل من مساهمتهن في الاقتصاد.


















