تعد عقدة النجاة (Survivor’s Guilt) استجابة نفسية عميقة ومؤلمة. حيث يشعر الفرد بالذنب الشديد لأنه نجا من موقف كارثي أو مهدد للحياة بينما لم يحالف الحظ الآخرين. هذا الشعور ليس ضعفًا، بل هو رد فعل شائع وطبيعي للأحداث الصادمة التي تنطوي على خسارة في الأرواح. ويصنف حاليًا كأحد الأعراض الرئيسية المرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
بحسب “medicalnewstoday”يتساءل الناجون باستمرار عن سبب بقائهم على قيد الحياة، أو يلومون أنفسهم على ما كان يمكن فعله لمنع الحادث أو إنقاذ الأحباء، حتى وإن كانت هذه الأفكار غير منطقية أو مبالغ فيها.

من هم المتأثرون بعقدة الناجي؟
يمكن أن تظهر عقدة الناجي في أعقاب مجموعة واسعة من الأحداث المأساوية، مما يؤكد أن هذا الشعور لا يقتصر على نوع واحد من الصدمات. تشمل الفئات الأكثر عرضة لهذا الشعور:
- ضحايا الكوارث: الناجون من الحروب (مثل حروب غزة)، الكوارث الطبيعية، أو الحوادث المرورية الكبرى.
- قدامى المحاربين والشهود على الأحداث المؤلمة.
- الناجون من الأمراض: مثل الناجين من السرطان، أو متلقي عمليات زرع الأعضاء الذين يواجهون حقيقة وفاة المتبرع.
- الخسارة العائلية: الآباء الذين يعيشون بعد وفاة أولادهم، أو من فقدوا أحباءهم بسبب الانتحار.
تشير الأبحاث إلى أن هذا الشعور بالذنب شائع جدًا بعد الأحداث المؤلمة؛ ففي دراسة على ناجين من حوادث أدت لوفاة آخرين، أفاد 90% منهم أنهم شعروا بالذنب، كما ظهرت مشاعر الذنب لدى 55-63.9% من الناجين من سرطان الرئة.
أعراض عميقة تتجاوز الشعور بالذنب
نادرًا ما يأتي ذنب الناجي وحده؛ فغالبًا ما يكون مصحوبًا بأعراض أخرى لاضطراب ما بعد الصدمة، مما يجعل الشخص يرى العالم كمكان غير آمن وغير عادل. وتشمل الأعراض النفسية والجسدية الشائعة:
| الأعراض النفسية والعاطفية | الأعراض الجسدية والسلوكية |
| ذكريات الماضي (Flashbacks): واجترار الأفكار حول الحدث المؤلم. | الصداع والغثيان أو آلام المعدة. |
| التهيج والغضب ومشاعر العجز. | مشكلات في النوم (أرق أو كوابيس). |
| الخوف والارتباك وعدم وجود الحافز. | الانعزال الاجتماعي. |
| أفكار الانتحار أو الموت. |
قد تتفاقم هذه الأعراض لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الصدمات السابقة، أو مشكلات صحية نفسية أخرى (كالقلق أو الاكتئاب)، أو نقص الدعم الاجتماعي. كما أن وجود معتقدات خاطئة أو مشوهة حول دورهم في الحادث، كالمبالغة في قدرتهم على منع النتيجة السلبية، يزيد من حدة هذا الشعور.

مسار التعافي: الرعاية الذاتية والتدخل المهني
رغم أن الأبحاث تشير إلى أن العديد من الأشخاص يتعافون من ذنب الناجي والأعراض المرتبطة بالصدمة خلال السنة الأولى بعد الحدث، إلا أن ثلث المتضررين على الأقل قد تستمر معاناتهم لسنوات أطول.
نصائح للتعامل الذاتي:
- الرعاية الذاتية المنتظمة: الانخراط في أنشطة تشعر بالرضا مثل القراءة، التأمل، كتابة اليوميات، أو ممارسة الفنون، وتجنب تعاطي الكحول والمخدرات لما لها من تأثير سلبي على الاستقرار العاطفي.
- دعم نمط حياة صحي: التأكد من الحصول على قسط كافٍ من النوم، واتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام.
- إعادة توجيه الذنب إلى فعل إيجابي: قد يجد الناجون تحسنًا كبيرًا عندما يحولون طاقتهم السلبية إلى مساعدة الآخرين، كالتطوع، أو التثقيف حول تجربتهم، أو تقديم الدعم لمن يمرون بظروف مماثلة.
متى يجب طلب المساعدة المهنية؟
يجب طلب المساعدة من المتخصصين فورًا إذا كانت الأعراض شديدة أو مستمرة، أو إذا شعر الشخص بعدم القدرة على التأقلم بمفرده. يجب على الناجين الذين يراودهم أفكار الموت أو الانتحار أو حاولوا الانتحار أن يطلبوا الرعاية الطبية الفورية. حيث تشير الأبحاث إلى أن النجاة من حدث صادم أدى إلى فقدان الحياة يمكن أن يزيد من خطر الانتحار.
في هذه الحالة، يجب طرح السؤال الصعب، “هل تفكر في الانتحار؟“، والاستماع دون إصدار أحكام، والاتصال برقم الطوارئ على الفور، ومحاولة إزالة أي أدوات ضارة، والبقاء مع الشخص حتى وصول المساعدة المتخصصة.
في الختام، عقدة الناجي هي استجابة نفسية معقدة لكنها قابلة للتعافي. ومن خلال الرعاية الذاتية والتواصل مع الآخرين، والأهم من ذلك، طلب الدعم المهني عند الحاجة، يمكن التخفيف من مشاعر الذنب وتجاوز الصدمة نحو حياة أكثر استقرارًا.


















