إن تربية الطفل في سنواته الأولى تقوم على تنمية خياله الواسع، فهو الشيء الوحيد الذي يمتلكه. ومن واجب الأولياء إشباع نهمه بصور وطرق مختلفة. كاللعب الفردي والجماعي والرسم والقراءة.
ولا يمكن لهذه الأخيرة أن يلجأ إليها الطفل إلا إذا بلغ ذروة الإشباع السمعي من الثقافة المروية التي توارثتها أجيالنا شفهيًا من خلال سردها من طرف الجدات والأمهات.
تحكي له حتى قبل النوم، أو في ليالي الصيف والشتاء الطويلة؛ حيث يكون للسهر مكان أوسع وللأسرة اتصال أكبر. سهولة تأثير الحكايات والأحاجي الضاربة في القدم والمعجونة بتراب التاريخ والمكان. يجدها الطفل قريبة من نفسيته كثيرًا، وتفتح له آفاق الاتصال مع مخيلته الواسعة المعبأة بمخيلات اجتماعي ونفساني وديني.
تعمل على استرجاع ماضٍ يستلهم منه الطفل دون أن يدري المغزى الجميل لثقافة أمته فيشب عليها، وترسخ في ذاته وأناه ألا شعورية صور الوطن الخالدة. فيحبها كطفل مغامر ويهوى الذود عنها وإيثارها والتوق إلى تنميقها بكل الرؤى الجمالية والحركية مسترسلًا أمثلة كثيرة واقعية أو خيالي.

أطفال بدون خيال
لكن الأمر الخطير الذي يلاحظه على جيل أطفالنا اليوم هو أنهم أطفال ولدوا بدون خيال، بل مجردين منه. لا يوجد ما يربطهم بقيمنا الاجتماعية المجسدة في هذا الخيال المروي، ولو خيط رفيع.
وهنا نتساءل كيف يمكن لهذا الطفل أن يلهم خيالًا علميًا، وهو لا يملك أصلًا خيالًا ذاتيًا لنفسه. مثل الذي يستطيع أن يحرق كتابًا لكنه لا يستطيع أن يحرق مخيلة. وهنا لا بد من تحديد المسؤوليات.. فمن المسؤول يا ترى أهما الوالدان أم المجتمع ككل؟

الحفاظ على تراثنا وأصالتنا
إن ما يقدم لأطفالنا اليوم هو ثقافة ناقصة لا تصب في قالب صحيح يمكن من تقديم شيء قيمي راقٍ بأسلوب ورسالة إنسانية، على الأقل لمقاومة عنف. وحوش البوكيمون، التي لا تقدم درسًا في حب الأرض، والعطف على الضعفاء أو ما شابه ذلك. فالأطفال يشتركون في أشياء ويختلفون في أخرى حسب الحضارة والمكان والأدوات.
فالطفل الأسيوي ليس كالأمريكي، ولا العربي كالإسرائيلي، إضافة إلى درجة التطور والاستعداد النفسي. فثقافتنا مليئة بالأشياء التي لا يجب أن تهمل، ولا بد من ترسيخها في عقل الطفل ومخيلته الصغيرة والواسعة. ما سيعمل على تنمية خياله العلمي الصحيح، وهو ما سيطور منها خلالها دوائر ذكائها المطردة.

لكن هناك أشياء أخرى، قد تكبر سلبيتها وتدمره، فسلبي أن يدفع بالطفل للعنف والعدوانية وجفاف الخيال الرهيب بإبعاده عن ثوابت كثيرة. فيكبر منسلخًا عنها وقد يضطر وقد أصبح هذا الرجل الذي كان صغيرًا، والذي يقوم عليه مستقبل الأمة حاضرًا إلى البحث عنها والتشبع بمفهوم آخر عكسي قد يحيده عن مصلحة أمته أو الإساءة إليها. وقد يصبح عبدًا لها، أو ناقمًا عليها لأنه لم ينهل منها ذات يوم بالطريقة التي كانت يجب أن تكون.. وعلى أساس الاستلهام من نهر الخيال المحكي الذي يحتفظ به كبار الأسرة والمجتمع.

















