كل عام وانت أمي.. نبع الرحمة الذي لا ينضب

الأم، نبع دائم وفيض جارف من الرحمة تعطي فتحسن، عطاء متميزاً لا يضاهيها فيه أحد، إنها الخير الذي لا ينقضي والنبع الذي لا ينضب. وهي التي إذا هزت مهد أبنها بيمينها فإنها تهز العالم بشمالها.

فكل أم مهما كان شأنها أعطت وضحت وكانت أيامها مشقة وعناء في إعداد أجيال سوية صالحة. بدون انقطاع وحتى آخر يوم من حياتها يتواصل عطاؤها وتضحيتها دون نضوب ولا كلل. الأم قدوة جعل الله برها من أصول الفضائل وجعل حقها أوكد من حق الأب لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والارضاع والتربية.

This may contain: a woman and two children are running through the rubble

نبع الحنان وعطاء لا ينضب

كما أن الأم رمز خالد لأن مشاعر الأمومة لا تتغير طبيعتها، ومهما كبر أبناؤها وتزوجوا وأنجبوا لها الأحفاد تظل الأم أمًا. وتبقى مشاعر الحنان والحب والإيثار والاهتمام مختزنة في صدرها.
ولا تتأثر الأم بتراكمات السنين وثقل الشيخوخة أو العوامل اليومية بتعقيداتها التي تمر بها. فلن يكون عبئًا على كاهلها إن هي سعت وبكل الطرق كي تقدم ما يمكنها تقديمه دون تردد. ولوحت على حساب راحتها وسعادتها فقط من أجل أن تلمح الابتسامة مرسومة على محيا أبنائها فتسعد بذلك لسعادتها.
لن يكون كثيرا عليها بذل ما تبقى لها من جهد أو طاقة أو مال، رغم ما قد يكون بها من خصاصة من أجل كفكفة دموع أحدهم ومسح همومهم. التي تعتري مسار رحلتهم في هذه الدنيا الواسعة، فيا لرحمة الله تعالى الذي أنساها متاعبها في الحمل بشوقها إلى رؤية وليدها بين ذراعيها.
واستعذبت الأم الوضع رجاء أن تنعم بمن يدفئه صدرها وترعاه في رفق عيناها ولا يغيب لحظة عن قلبها هو منها وبها. تسهر لسهره سعيدة راضية ترعى منامه حانية قريرة العين، لا تمله وأن ألمها أو أذاها ولا تضيق به وأن اتعبها وأشقاها، لأنها سر وجوده ونور حياته.
This may contain: two women are in the water with one holding a small dog and another standing on her back
جاور قلبها تسعة اشهر وعاش فيه ما قدر الله لها أن تعيش ، يشغل يقظتها ومنامها ، وهي نفسها من يتسع له صدرها إذا ضاقت به الدنيا. والمأوى الآمن اذا الدهر يوما عاداه، عاطفتها نعمة عظيمة لا يستنكف عن شكرها العظماء، وهي الجنة لا يحظى بها إلا الأبرار والسعداء.

بر الأم طريق الرحمة ومفتاح رضا الله

هي الأحق بالصحبة والرعاية، وهي الأولى بالبر والعناية وما طمع فيه الأبناء بالأمس من بالغ عطفها وعامر حنانها. ليس له مثيل سوى أن تصان حرمتها في كبرها. يطلب رضاها الجميع، وبرها خير ما يتقرب به إلى المولى عز وجل.
أن ابتسامة عند لقاء الأم، أو كلمة طيبة، تدخل السعادة إلى قلبها أو قبلة حانية تطبعها على جبينها ويديها أعمال جليلة عظيمة لا يحيط بثوابها إلا الله سبحانه وتعالى.
كما لا يقدرها حق التقدير إلا كل بار يدرك أنه لولاها ما كان هو، ولولا رعايتها ما استوى. والذي يعي تمام الوعي أن الأم التي استهلكت شبابها ليصير وليدها شابا عفيا. استنفذت قواها ليقوى هو وتعبت هي ليستريح هو وسهرت الليالي لينام ولم تسعد إلا اذا سعد ولا تشبع إلا اذا شبع.
This may contain: two children are sitting on their backs in the water with a basket over their heads
هذه الأم لا يمكن ولا ينبغي لأحد أن يرفع أمامها صوته حتى إذا كان يرى لنفسه حقا يدافع عنه فبرها أحق. فمهما كان من أمرها فذلك لا يعطي الحق لأحد أن يستشيط غضبا في حضرتها.
ولا يليق في هذا المقام أن يتردد أحد ولو للحظة في جعل كل يوم من أيامها عيداً يسمعها دائما أطيب الكلام. ويجعل هديته إليها عملا ترضى به عنه خالصًا لوجه الله يأمل بركته وتوفيقه وهداه. فيكون لها عوناً في الكبر كما كانت هي له سندًا في الصغر، أن الأم حين تقوم بدورها التربوي الذي كلفت به على الوجه الذي أمرت به فان المجتمع يصلح وينعم بالخير ولذلك كرمها الله بأن جعل برها واكرامها مقدما على كل الناس حتى على الأب.

عطاء ممتد وحق لا يقضى

وذكر العلماء أن سبب تقديم الأم هو كثرة تعبها من أجله وشفقتها عليه وخدمتها له. وتحملها المشاق في حمله ثم وضعه ثم إرضاعه ثم تربيته وتمريضه.
حقيقة أن قيام الأم بتربية أولادها وخدمة زوجها وإدارة شؤون البيت يرقيها إلى أعلى الدرجات. وعملها الصالح يعادل جهاد الرجال في المعارك وثواب صلاة الجمعة في المساجد.
والحقيقة الأخرى انه يخطئ من يعتقد أن الأمومة تنقطع بعد الوفاة وتنتهي بانتهاء وجودها الجسدي في الحياة مع أولادها. بالعكس أن الأمومة غرس دائم النبت في أذهاننا حتى قبل أن نلفظ أنفاسنا الأخيرة. إنها صورة راسخة في المخيلة لا تنمحي ولا تزول ولا تختفي.
This may contain: black and white photograph of people walking in the dirt with one woman carrying two children
صورة تظل ماثلة بكل وضوح وجميلة في كل لحظة من لحظات حياتنا نهاية الأمومة من الحياة الدنيا ليست نهايتها من حياتنا. لأنها تعيش في وجداننا ساكنة داخلنا في أفراحنا وأحزاننا في نجاحنا وكبوتنا، في قربنا وبعدنا نتحدث مثلها في بعض الأحيان.
ونقوم بنفس أفعالها أحياناً أخرى، الأم دائماً معنا وفينا رفيقة دربنا طول الوقت. نستحضرها وكأنها العقل الباطن نستلهم منه كل ما هو نبيل وجميل. لذلك كانت الأحق بالبر بمعنى إحسان عشرتها وتوقير وخفض جناح الذل من الرحمة وطاعتها في غير معصية الله سبحانه وتعالى.
والتماس رضاها في كل أمر حتى الجهاد الذي اذا كان فرض كفاية لا يجوز إلا برضاها. هكذا أمرنا ديننا الحنيف الذي قرر لها كل هذه الحقوق وعني بها كل هذه العناية.

العقوق جرح لا يُغتفر إلا بالتوبة

ومن هنا أفضفض فضفضة بكائية على كل أم كان بطنها لولدها وعاء وثديها له سقاء، وحجرها له حواء. حتى اذا اشتد عوده استشعر ثقلها عليه فبخل عليها وعاقها العقوق البغيض.
بل ورمى بعضهم أمهاتهم في ديار الشيخوخة والعجزة يعانين قسوة الوحدة ويفتقدن دفء العائلة. لا معيل لهن ولا رؤوف يستعجلن نهايتهن حتى لا تثقل كفة سيئات ابنائهن أكثر مما ثقلت.
لقد كاد قلبها على وليدها أن ينفطر وكانت له سندا عندما خطى خطواته الأولى وعجباً إذ يتحول قلب الوليد في الكبر. فيصبح أقسى من الحجر يضيق بها إذا اتكأت يوما عليه. يتهرب بعينيه من نظرات عينيها التي كانت أول ما أبصر وهو في احضانها لا حول ولا قوة له.
لقد اجتهد الأبرار في برهم لأمهاتهم سنين طوال ولم يؤدوا حقوقهن ولو مقابل زفرة واحدة من زفرات الوضع والإنجاب. فماذا عسانا نقول في العاقين سوى الدعوة لهم بالهداية والرشاد والمسارعة بتصحيح الخطأ ولم الشمل. ثم الاستغفار ليل نهار فهو وحده سبحانه الغفار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
الرابط المختصر :