ما أقسى الزمان هذه الأيام، وما أفظع الظروف، فوحدها الظروف القاسية التي تدفع الفرد للسير ضد مشيئته، وتجعله ينصاع لها ولضغوطها، وما حيلة هذا الإنسان الضعيف سوى القبول بالواقع. قبول المضطر بعدما لفحته الظروف بحرارتها، وكأنها تمعن في الإذلال. بل في عقاب من لم يستطع مواجهة التشوهات التي اعترت وجه الحياة الإنسانية في ملامحها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية.
حين يفقد الإنسان مركزه
عندما يكون الإنسان هو مركز التفكير وقاعدته «تتأنسن» الأشياء ويصبح العالم أرحب. ويتقاسم الناس الأفراح والأحزان اللغة والإشارات التحدي والإصرار. ولكن عندما يحدث أن تحل الأشياء محل الإنسان في مركز الفكر والتفكير تتشيأ الحياة فتصير جحيمًا من العمى والضلال، تأخذنا في دوامة نفقد فيها الإحساس بالزمن فلا ماضي نتذكره، ولا حاضر نعيه والمستقبل غامض.. مخيف.
إنها دوامة تفقدنا الشعور بذاتنا، بأفراحنا القليلة، وأحزاننا الكثيرة برغم ما تحدثه الأحداث حولنا من صخب نفسي في داخلنا. قد تهز المشاعر لبعض الوقت لكن ما تلبث أن يصيبنا الصمت فننسى كل كلام.. كل سلام.
قد نرسم بين السطور والكلمات أحلامًا وأفراحًا وآهات، قد نصور بين طيات الحروف في أعماقنا غدًا أجمل بين أهداب الرموش، عيوننا تحلم وتحتضن بحب هذه الدنيا بعصفها وسكونها، نحلق في الفضاء الواسع. حيث تتوارى وتتقاطع الدوائر في بؤرة القمر. تخترق جسد الحياة الشفافة فيفتح الستار ولا يسدل إلا بانطفاء الشمعة.
ترانا على مسرح وهمي تمامًا كخطوط الطول والعرض الوهمية، نزرع الخير تارة ونبذر الشر تارة أخرى. ثم نجلس في هدوء نقلب صفحات الأيام، فنرسم بسمة ونسيل دمعة ونغلق المجلد الكبير، ثم نمضي بسفننا إلى الوجود. حيث يصل الجميع لأول مرة بلا تأخير وبلا تأجيل في ساعة تتوقف عندها عقارب الساعة.
تأخذنا الحياة في تيه فنتيه بين صور عالقة نرسمها في لوحة جميلة نزركشها ونجعل ألوانها تتلألأ بأحمر متوهج كله حب.. ونار، وبأخضر فاتح يفتح طريق الاستمرارية والحياة للأخذ والعطاء، وبأصفر لامع يعكس بريق عيوننا وأشعة شمسنا نستمد منها دفئنا ونشاطنا. تأخذنا الحياة بهمنا وضعفنا الى نقطة تتصارع فيها قوى الخير وقوى الشر.
الحياة على امتدادها هي أجوبة صحيحة، وكل ما نحتاجه هو إيجاد السؤال الصحيح، إن جميع صور التقدم الإنساني تسبقها أسئلة جيدة.. عندما نفهم الحياة على هذا النحو فإننا نختصر المساقات، وتركز الجهود في البحث عن تلك الأسئلة الصحيحة التي سنعرف من خلالها.. من نحن؟ وما تريد؟ وماذا نفعل؟ وأسئلة أخرى ستضعنا أمام الحقيقة سواء قادتنا إلى المسار الصحيح فتستمر ونواصل العطاء، أو كشفت لنا أن المسار كان خطأ فنتوقف ونعيد تشكيل حياتنا في الاتجاه الصحيح.
وإذا كانت حياتنا المعاصرة معقدة ومصلحية وسريعة فعلينا بالتبسيط الصحيح والفعال لعقد الحياة. حتى نستمتع بروح العصر ونكون فاعلين قادرين على العطاء، الأمر يحتاج منا الشجاعة، فهوامش الحياة تتمدد أو تتقلص على أساس شجاعة الفرد.
فالبشر كتلة أحاسيس ومشاعر عاطفية هي التي تمنح المر، دفئًا وتعينه على مداومة النشاط ورغم أن الناس ليسوا جميعا بنفس القدر من التفهم والتقدير فإنه يبقى الأمل في التغيير.
والصبر على المشقة لتحقيق النجاح واستمرار الحياة الإنسانية، لا تخلو الحياة من النوازل والاحتدامات تجعلنا نعيد التفكير ونراجع ترتيب أوراقنا مئات المرات، فتتبدل قوائم الاحتياجات، وتتغير الأولويات، ونبقى في كل الأحوال بشرًا.. لا حياة لنا ولا وجود، لا عيش لنا ولا نهوض إلا باحترام الروابط والأواصر.
إننا نؤمن بحق الإنسان في أن يعيش كيفما يشاء ما دام لا يخالف تعاليم ديننا الحنيف والأخلاق السمحة؛ لأنها المخالفة الوحيدة التي ستجلب عليه ويلات الدنيا والآخرة أما عدا ذلك من أعراف فهي خاضعة للتغيير. فكم من العادات والتقاليد البالية زالت أمام مقتضيات تطور المجتمع الإنساني، والأمثلة لا حصر لها لأناس صاروا أشباحًا وكائنات واهية ومخلوقات هلامية. بعدما فقدت قوتها وسلطتها التي استمدتها من أعراف لم ينزل الله تعالى من سلطان، وعاثوا في حياة الناس فسادًا وقهرًا.
إن اللغة التي ينبغي فهمها هي مواجهة حقيقة الواقع الدروب ضيقة ووعرة ولكن حب الحياة هو سر المقاومة لأعتى الأعاصير. دون أن نلتفت بحسرة إلى الوراء، الإحباطات الماضية تدفع الضعفاء فقط إلى اليأس والاستسلام الداخلي لإخفاقات الحياة ومن نافذة الحياة نفسها سنطل على قاعدتها الذهبية التي تفرض علينا قبولها بكل ما فيها وأن كل شيء ممكن.
فقد يرى بعضنا الحياة بنصف كوب ممتلئ، في حين يراه البعض الآخر بنصف كوب فارغ، وآخرون لا يرونها إلا بامتلاء الكوب إن اكتشاف ذاتنا من وجودنا يعرفنا حدود الممكن وغير الممكن في النهوض من كل عثرة وجمع شتات ما تفرق، وبين لحظات الكر والفر تتجدد نفوسنا وفق الخصوصية التي تحملها حياة كل فرد، وهي لحظات لا نملها، لأننا نعيشها في دائرة متجددة، فدورة التجدد في الحياة هي مبعث السعادة.. والتوازن والسبيل للخروج من رتابة النمطية المملة إلى رحاب أوسع من التفاؤل والرضا عن الذات، فحياتنا ليست فقط أرصدة في البنوك وعمل ناجح. وإنما الناس الذين أحببناهم وأحبونا هم الذين يجعلون لحياتنا قيمة ومعنى.
الحياة ليست انغماسا كاملًا في المشاغل اليومية التي انجرف الكثيرون إليها بكل سهولة، لأن أول من يدفع ثمن ذلك هم أنفسهم وأقرب الناس إليهم، فلا يجدهم الآباء والأمهات أبناء بررة.. ولا أطفالهم مربين وكفلة، ولا أصدقاؤهم عونًا ورحمة. قد تكون الحياة العملية مهمة ومسؤوليات الحياة عديدة ومعقدة حتى لتكاد تبعدنا عن محيطنا الأسري.. والعائلي.
وترانا نجتهد في اختلاق الأعذار، ونراهن على فهم الآخرين للظروف قد يقتنعون لبعض الوقت، ولكن ليس طوال الوقت، إن علاقتنا مع الذين نحبهم تستحق التضحيات؛ لأنها هي التي تبقى معنا حتى آخر العمر. لا يجب أن ندع أيامنا الحافلة بالمشاغل تحرمنا من النجاح الحقيقي في نهاية حياة مليئة بالأحداث بحلوها ومرها. كثيرة هي العبارات التي تقال وتكتب وتتكرر كثيرًا وتنصح استمتع بحياتك… بوقتك.. وبلحظاتك.. وبعمرك كثيرون يجهلون فن الاستمتاع باللحظات والمناسبات السعيدة. وليس غريبًا أن هؤلاء يفتقدون الوسائل البسيطة للتعبير حتى عن الفرح، فما بالك بمحاولة العيش في عمق معاني هذه المناسبات بصدق وواقعية.
من الناس من بحث ونظر وسأل وأعاد النظر وعرف كيف يستمتع بلحظاته.. وأيامه، بصباح يومه.. وليله.. لا تعرف الحروف الملل له نطقًا وسبيلًا. ولا يسلم جسده لخمول وكسل.. ولا يدع خلايا رأسه تضمر دون أن يبث فيها أمرًا … وعلمًا.. وحدثًا… وموقفًا.. وثقافة. لا يدع حياته وعمره تمضي دون هدف، ولا يغادرها دون أن يترك فيها أثر يشهد له ويبقى من بعده. أن نستمتع بحياتنا يعني أننا عرفنا الذات التي تعيش بين جنباتنا وعرفنا حقها.. عرفنا ما نريد، وعرفنا أساس تحركها ووجودها.
أن نستمتع لحظات هدوء، معناه أن تكون ضمن هذه اللحظات في هدوء فكري وروحي وجسدي، وهدوء مكاني قد يسمح لنا بالاسترخاء أو بالتأمل. أو بالانفراد مع أنفسنا نسألها لتوقظ الضمير ونحاسب الذات قبل أن يحاسبنا الآخرون. إنها لحظات صدق علينا استغلالها لندرك حقيقة أن أعمالنا خلال رحلة عمر عشناها هي حصاد الحياة دائمة وخالدة، أن نعرف كيف نستمتع بكل لحظة نكون كمن حضن لحظات من الزمن والفرح والسرور إلى صدره ليتحرك بها ويعيش ضمنها.
فينعكس جمال تلك اللحظات وجمال ما احتضنه من معاني جميلة على بهاء شكله وخفة روحه وعذوبة صوته.. ونشاط حركته ونظرته المتفائلة للحياة وللآخرين، يعني أننا عرفنا معنى أن نحب الذات فينا بنظرة إيجابية عبر مراحل عمرنا من الطفولة البريئة إلى المراهقة الجائرة، فإلى الشباب الطموح والرجولة والنضج والكهولة، كلها مراحل تحمل ما يميزها ومعها تتنوع أسباب السعادة وتتعدد مظاهر التمتع والاستمتاع التي لو أحسنا استغلالها لخففنا كثيرا قسوة الزمان علينا.
الرابط المختصر :



















